حين يعود الغزالي وماركوس أوريليوس، لكن بسؤال مختلف تمامًا هذه المرة
بقلم: أحمد الحضرمي
إن كنت قرأت هذه السلسلة منذ مقالها الأول، فربما تشعر الآن بشيء من الحذر.
الغزالي مرة أخرى؟ ماركوس أوريليوس مرة أخرى؟ أليس هذا ما بدأنا به قبل أربعة مقالات؟
السؤال في محله، ولن أتجاهله.
لكن تذكّر ما تعلمناه منذ ذلك المقال الأول.
تعلمنا أن “الداخل” الذي طلب منا الغزالي أن ننظر إليه، قد لا يكون ملكًا خالصًا لنا: الأسرة شكّلت جزءًا منه قبل أن نعي أنفسنا. والمجتمع رسم خطوط ما هو “طبيعي” فيه. واللغة والخوارزمية قررتا، ولو جزئيًا، أي كلمات نملك أصلًا لوصفه.
فحين يعود الغزالي الآن ليقول: “انظر إلى داخلك”، يصبح السؤال مختلفًا جذريًا عما كان في المقال الأول:
انظر إلى ماذا بالضبط؟ إلى ذاتك، أم إلى الصورة التي صنعتها فيك أربعة مقالات كاملة من قوى خارجة عنك؟
النظر الذي لا يكتفي بالسطح
في المقال الأول استخدمنا من الغزالي مراتب الطهارة الأربع: الظاهر، فالجوارح، فالقلب، فالسر.
هذه المرة، من كتاب مختلف تمامًا ضمن إحياء علوم الدين — كتاب المراقبة والمحاسبة — يطرح الغزالي فكرة أدق: أن العاقل يراقب أعماله ونياته أولًا بأول، ثم يحاسب نفسه عليها في نهاية كل يوم، بمنطق يشبه ما يفعله التاجر الحريص مع حساباته — لا أنقل هذا التشبيه التجاري نصًا حرفيًا عنه، بل بوصفه تلخيصًا عامًا لمنهجه في هذا الكتاب؛ إذ إن العاقل عنده لا يدع يومه ينقضي دون أن يعرف أين ربح وأين خسر في أعماله.
والمحاسبة هنا ليست مجرد شعور عابر بالذنب.
إنها نظر متكرر، يومي، دقيق: ماذا فعلتُ؟ لماذا فعلته؟ ما النية التي كانت خلفه فعلًا، لا التي أحب أن أصدق أنها كانت خلفه؟
حين يحذّرك التاريخ من التاريخ نفسه
وهنا يدخل ماركوس أوريليوس، لكن بنص مختلف أيضًا عن الذي استخدمناه في المقال الأول.
في التأملات، الكتاب الخامس، الفقرة 16، يكتب ما يمكن ترجمته تقريبًا إلى: تُصبَغ الروح بلون أفكارها — أي أن ما يتكرر التفكير فيه يصبح لون العقل نفسه (النص الإنجليزي الموثّق في المراجع أدناه).
ثم يعطي نفسه توجيهًا: إن كان هذا صحيحًا، فاصبغ عقلك عمدًا بأفكار بعينها — أفكار العدل والشجاعة — بدل أن تترك أي انطباع عابر يصبغه بلا تمييز.
لاحظ الفارق الدقيق بين النصين.
الغزالي يطلب: راجع أعمالك ونياتك بدقة، ولا تدع يومًا ينقضي دون أن تعرف حسابه.
ماركوس أوريليوس يطلب: اختر بوعي ماذا تدع يتكرر، فلا كل ما يخطر يستحق أن يُعاد التفكير فيه.
أحدهما يطلب نظرًا لا يفوّت شيئًا. والآخر يطلب انتقاءً لا يمنح كل شيء الحق في الدخول من الأساس.
حين تتحول المحاسبة نفسها إلى مرض
وهنا أطرح ملاحظتي، خارج نصّي الغزالي وماركوس أوريليوس تمامًا.
علم النفس المعاصر يملك اسمًا لما يحدث حين يتحول النظر الداخلي إلى نمط لا يتوقف ولا يصل إلى شيء: الاجترار الذهني (rumination). الباحثة سوزان نولين-هوكسيما أسّست، منذ 1991، خط بحث طويل يُظهر أن الانشغال المتكرر بأسباب الشعور السيئ ونتائجه — لا مجرد الشعور به — عامل خطر حقيقي يُطيل الاكتئاب ويزيد احتماله، لا يخفّفه.
وهنا يجب أن أكون دقيقًا جدًا فيما أقوله وما لا أقوله: لا أزعم أن المحاسبة عند الغزالي هي الاجترار المرضي الذي تصفه نولين-هوكسيما، ولا أن علم النفس الحديث “أثبت خطأ” منهج الغزالي. هذا تبسيط مخلّ لا يخدم أيًا من الطرفين.
الأدق أن نقول: المحاسبة، كما يصفها الغزالي، ممارسة تتجه إلى قرار — تُختم بتوبة أو عزم أو تصحيح فعل بعينه. أما الاجترار الذي يصفه علم النفس فحركة ذهنية تعيد إنتاج نفسها دون أن تصل إلى فعل؛ الفرق بينهما ليس في “كم ننظر”، بل في هل ينتهي النظر إلى شيء أم يدور حول نفسه فقط.
وهذا ليس اعتراضًا على الغزالي؛ فهو نفسه يشترط للمحاسبة ضوابط: أن تكون في وقتها، وأن تُختم بالتوبة والعزم، لا أن تتحول إلى جلد ذاتي بلا نهاية.
لكنه يعني أن تحذير ماركوس أوريليوس ليس ترفًا فلسفيًا يمكن تجاهله بسهولة.
النظر الذي لا يتوقف قد يتحول، دون أن ننتبه، إلى الشيء الذي حذّرنا منه المقال الأول نفسه: “كل شعور يصبح مشكلة، كل رغبة تصبح جرحًا.”
لكن الإفلات وحده ليس بريئًا أيضًا
وفي المقابل، ثمن الانتقاء الذي يطلبه ماركوس أوريليوس ثمن حقيقي أيضًا.
فمن يقرر ألا يدع بعض الأفكار “تصبغ” عقله، قد يستخدم هذا كذريعة لتجنّب مواجهة ما يستحق المواجهة فعلًا.
“لن أفكر في هذا أكثر” قد تكون حكمة رواقية.
وقد تكون، بنفس السهولة، هروبًا من نية لم نحاسب أنفسنا عليها بعد.
فكيف نميّز بين الاثنين؟
لا أملك إجابة نظيفة تُنهي هذا التوتر، ولا أظن أن أحدًا يملكها.
لكن ربما يكمن الفرق هنا: المحاسبة التي يطلبها الغزالي تسأل عن النية خلف الفعل الذي وقع بالفعل — نظرة إلى الوراء، محدودة بحدث بعينه، تُختم بقرار.
والاجترار الذي يحذّر منه علم النفس، والانطباع الذي يحذّر منه ماركوس أوريليوس، كلاهما نظر بلا حدث محدد يُختم عنده — دوران حول الشعور نفسه، لا حول الفعل الذي أنتجه.
فربما لا يكون السؤال: أنظر أم لا أنظر؟
بل: هل نظري هذا يقودني إلى قرار، أم يكتفي بإعادة إنتاج نفسه؟
وإذا كان الأمر كذلك، يعود السؤال الذي بدأنا به هذا المقال بصورة أحدّ:
حين أنظر أخيرًا إلى داخلي — لا بوصفه ملكًا خالصًا لي، بل بوصفه ما شكّلته أربع قوى لم أخترها بالكامل — وأصل إلى قرار…
فماذا أفعل بهذا القرار؟
المعرفة شيء. والقرار شيء آخر. لكن هل يكفي أيّهما وحده؟
المراجع
1. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، الربع الرابع (المنجيات)، كتاب المراقبة والمحاسبة. مرجع مختلف عن كتاب أسرار الطهارة المستخدم في المقال الأول، تفاديًا لتكرار المادة نفسها.
2. Marcus Aurelius, Meditations, Book V, §16: “Such as are thy habitual thoughts, such also will be the character of thy mind; for the soul is dyed by the thoughts” — مرجع مختلف عن Book VIII §51 المستخدم في المقال الأول.
3. Susan Nolen-Hoeksema, ‘Responses to Depression and Their Effects on the Duration of Depressive Episodes’, Journal of Abnormal Psychology, 1991؛ وانظر أيضًا مراجعتها اللاحقة: Nolen-Hoeksema, Wisco & Lyubomirsky, ‘Rethinking Rumination’, Perspectives on Psychological Science, 2008. ملاحظة: تطبيق هذا البحث على قراءة الغزالي وماركوس أوريليوس تفسير من عندي، لا نتيجة واردة في هذه الأبحاث نفسها.


