حين تلتقي أربعة تقاليد لم يلتقِ أصحابها يومًا، لا عند حلٍّ واحد، بل عند مشكلة واحدة
بقلم: أحمد الحضرمي
انتهى المقال السابق بسؤال بسيط في ظاهره:
المعرفة شيء، والقرار شيء آخر. لكن هل يكفي أيّهما وحده؟
جرّب أن تتذكر آخر مرة عرفتَ فيها بوضوح تام ما يجب أن تتغيّر فيه.
لم يكن الغموض هو المشكلة. كنت تعرف تمامًا. ومع ذلك، لم يحدث شيء، أو حدث لأيام قليلة ثم عاد كل شيء كما كان.
لماذا؟
أربعة لم يلتقوا يومًا
تخيّل أربعة أشخاص لم يعش أي منهم في زمن الآخر، ولم يقرأ أحدهم للآخر: فيلسوف رواقي في روما القرن الثاني، وفقيه متصوف في بغداد القرن الحادي عشر، وطبيبان نفسيان أمريكيان في ثمانينيات القرن العشرين، ومجموعة من الرجال الأمريكيين عام 1939 يحاولون التعافي من إدمان لم يفهمه الطب في زمانهم جيدًا.
لم يتوصّل أربعتهم إلى الحل نفسه بالضبط، ولا حتى إلى الخطوات نفسها بترتيبها الدقيق. لكنهم التقوا، كل بمعزل عن الآخر، عند مشكلة واحدة مشتركة: أن الإنسان لا يتغيّر بمجرد أن يعرف ما ينبغي أن يكون عليه. وكل تقليد منهم، في محاولته حل هذه المشكلة بالذات، لجأ بشكل أو بآخر إلى عناصر متقاربة: مواجهة صادقة للحال كما هي، ومراجعة لا تجامل، وممارسة لا تتوقف عند لحظة واحدة.
هل هذا اتفاق على حقيقة إنسانية عميقة؟ أم مجرد تشابه سطحي نصنعه نحن بأثر رجعي لأننا نحب الأنماط الجميلة؟
السؤال الأدق ليس: هل توصّلوا إلى الشيء نفسه؟ بل: لماذا تلتقي تقاليد لا علاقة بينها عند نفس المشكلة بالذات؟
حين تصبح الفلسفة تمرينًا لا رأيًا
المؤرخ الفرنسي للفلسفة القديمة بيير هادو (Pierre Hadot) قلب فهمنا لكل الفلسفة اليونانية والرومانية القديمة بفكرة واحدة: أن الرواقية، كما مارسها أتباعها فعليًا، لم تكن مجموعة آراء نظرية عن الكون والأخلاق، بل “تمارين روحية” (exercices spirituels) يومية — أقرب إلى تمرين رياضي متكرر منه إلى محاضرة تُفهم مرة وتُطوى.
بحسب قراءته، لم يكن ماركوس أوريليوس يكتب التأملات ليُعلّم القارئ فلسفة. كان يكتبها لنفسه، كل يوم، كنوع من التمرين المتكرر على استعادة الحكم الصحيح — لأن معرفة المبدأ الرواقي مرة لا تكفي؛ يحتاج الإنسان إلى إعادة التمرين عليه يوميًا حتى يصبح جزءًا من طبعه لا مجرد فكرة يعرفها.
لاحظ الفرق: ليست المعرفة هي الهدف. الممارسة المتكررة هي الأداة.
والمجاهدة عند المتصوفة
وفي التقليد الإسلامي، عند الغزالي الذي رافقنا منذ بداية هذه السلسلة، لا تُختزل معرفة العيب في لحظة اكتشاف واحدة.
المحاسبة التي تحدثنا عنها في المقال السابق ليست فعلًا يُنجَز مرة؛ إنها تتكرر كل يوم، حتى تصبح — بحسب منهج الغزالي في العبادات والمعاملات وتهذيب الأخلاق — عادة راسخة لا مجهودًا واعيًا في كل مرة.
المصطلح الذي يستخدمه هذا التقليد لهذا التكرار هو “المجاهدة”: ليست مواجهة واحدة حاسمة، بل مجاهدة، أي كفاح متكرر ومستمر، لأن النفس — كما يصفها هذا التقليد — تعود إلى عاداتها القديمة إن تُركت دون تمرين.
ثم يأتي المختبر الحديث ليلتقي بهما عند نفس المشكلة
في الثمانينيات، وبمعزل تام عن أي من هذين التقليدين، توصّل الباحثان الأمريكيان جيمس بروتشاسكا وكارلو دي كليمنتي، من دراستهما لكيفية إقلاع المدخنين عن التدخين، إلى نموذج أصبح لاحقًا من أكثر نماذج علم النفس السريري استخدامًا: النموذج عبر-النظري لمراحل التغيير.
بحسب هذا النموذج، لا يحدث التغيير دفعة واحدة، بل عبر مراحل: ما قبل التأمل (الشخص لا يرى مشكلة أصلًا)، فالتأمل (يبدأ يرى المشكلة لكن دون قرار)، فالإعداد، فالفعل، فالاستمرار — وغالبًا ما يعود الشخص خطوة أو أكثر للوراء قبل أن يواصل، لا في خط مستقيم أبدًا.
والمهم هنا أن هذا النموذج نتيجة بحث تجريبي على مدخنين حقيقيين، لا تأمل فلسفي. ومع ذلك فهو يلتقي مع هادو عند الرواقيين ومع الغزالي عند المتصوفة عند المشكلة نفسها بالذات: أن التغيير لا يحدث بمجرد معرفة الوجهة الصحيحة، بل يحتاج مسارًا متكررًا عبر مراحل، لا قرارًا لحظيًا واحدًا.
وفي عام 1939، يلتقي آخرون بالمشكلة نفسها من طريق مختلف تمامًا
في تلك السنة، صاغت مجموعة من الأمريكيين الذين كانوا يحاولون التعافي من إدمان الكحول، دون خلفية أكاديمية في علم النفس ودون معرفة بالتراث الرواقي أو الصوفي، نموذجًا للتغيير عُرف لاحقًا ببرنامج “الخطوات الاثنتي عشرة”.
لن أتحدث هنا عن اسم الجمعية التي أسّسته أو أدبياتها؛ فالفكرة الإنسانية التي توصّلوا إليها أوسع من أي مؤسسة بعينها، وهي ما يهمنا: الاعتراف بالعجز عن السيطرة الكاملة على المشكلة بالإرادة وحدها، ثم جرد أخلاقي صريح وشجاع للنفس، ثم الاعتراف بطبيعة الأخطاء أمام النفس وأمام آخر، ثم الاستعداد الفعلي لإصلاح ما أمكن إصلاحه من الضرر، ثم — وهذا الأهم — استمرار المراجعة اليومية والممارسة، لا كحدث ينتهي، بل كأسلوب حياة متجدد.
لاحظ أنهم لم يبدأوا من نفس المشكلة التي بدأ منها الرواقيون أو المتصوفة أو الباحثان الأمريكيان — بدأوا من إدمان محدد وظرف إنساني قاسٍ — ومع ذلك انتهوا إلى عناصر متقاربة: اعتراف، فمراجعة، فإصلاح، فممارسة متكررة لا تتوقف، لأنهم واجهوا بدورهم المشكلة نفسها: المعرفة بضرورة التوقف لم تكن كافية لتحقيقه.
فماذا يعني هذا التكرار عبر أربعة عوالم لا علاقة بينها؟
وهنا أطرح استنتاجي أنا، متجاوزًا كل مصدر من هذه المصادر الأربعة على حدة.
لا أزعم أن هذه التقاليد الأربعة اكتشفت الحل نفسه بالضبط؛ فروقها كبيرة، في المفردات وفي المرجعية وفي كثير من التفاصيل. الزعم الأقوى، والأكثر أمانة، ليس أنها تتفق على إجابة واحدة، بل أنها تلتقي عند مشكلة واحدة لم يستطع أي منها تجاوزها: أن الإنسان لا يتغيّر بمجرد أن يعرف ما ينبغي أن يكون عليه.
وهذا الالتقاء عند نفس المشكلة، لا عند نفس الحل، هو ما يستحق الانتباه فعلًا. فحين تصطدم أربعة محاولات إنسانية مختلفة تمامًا بنفس الجدار بالضبط — أن المعرفة وحدها لا تكفي — فهذا مؤشر أقوى على أن الجدار حقيقي، من أن تتفق جميعها على طريقة واحدة لتسلّقه.
والدرس المشترك بينها جميعًا واحد: لماذا لا تكفي المعرفة وحدها؟ لأن المعرفة حدث، والتغيير الفعلي عملية. حدث واحد قد يغيّر رأيك في لحظة، لكنه لا يغيّر عادة استقرت في جسدك وذهنك عبر سنوات من التكرار. ما استقر بالتكرار، لا يُفكَّك إلا بتكرار مضاد.
لكن التكرار نفسه يحمل خطره الخاص
وهنا يجب أن أعود إلى أول درس تعلمناه في هذه السلسلة كلها.
الممارسة المتكررة قد تتحول هي نفسها، دون أن ننتبه، إلى ما حذّرنا منه المقال الثاني والثالث والرابع: نمطًا آخر نتبناه من الخارج، دورًا نؤديه حتى ننسى أننا بدأنا بأدائه، اسمًا جديدًا نُلصقه بأنفسنا (“أنا شخص في طور التعافي”، “أنا أمارس الانضباط الرواقي”) يحل محل الاسم القديم دون أن يضمن أنه أصدق منه.
فالسؤال الذي يستحق أن يبقى معنا وسط كل هذا الحماس للممارسة والتكرار هو:
هل أمارس هذا لأنه يقودني فعلًا إلى مكان لم أكن فيه، أم لأن الممارسة نفسها أصبحت هوية جديدة أرتاح فيها، تمامًا كما ارتحتُ يومًا في الأسماء القديمة التي بدأنا هذه السلسلة بالتشكيك فيها؟
وإن وصل الإنسان يومًا إلى حيث كان يريد أن يصل عبر كل هذا التكرار…
فماذا يبقى له حين يتوقف عن الحاجة إلى الممارسة نفسها؟
المراجع
1. Pierre Hadot, Philosophy as a Way of Life: Spiritual Exercises from Socrates to Foucault, 1995 (مبني على مجموعة مقالات فرنسية من 1981)، في مفهوم “التمارين الروحية” (exercices spirituels) وقراءة الرواقية والمدارس اليونانية كممارسة يومية لا نظرية مجردة.
2. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، الربع الرابع (المنجيات)، في مفهوم المجاهدة وتكرار المحاسبة حتى تصبح عادة راسخة. مرجع مكمّل لكتاب المراقبة والمحاسبة المستخدم في المقال الخامس.
3. James O. Prochaska & Carlo C. DiClemente, ‘Stages and Processes of Self-Change of Smoking: Toward an Integrative Model of Change’, Journal of Consulting and Clinical Psychology, 1983؛ وانظر أيضًا الصياغة الأولى: Prochaska & DiClemente, ‘Transtheoretical Therapy: Toward a More Integrative Model of Change’, Psychotherapy: Theory, Research, and Practice, 1982.
4. برنامج الخطوات الاثنتي عشرة، تأسس 1939 على يد مجموعة أمريكية تعافت من إدمان الكحول. يُشار هنا إلى البنية الإنسانية العامة للخطوات (الاعتراف، الجرد، الإصلاح، الممارسة المستمرة) لا إلى نص أو مؤسسة بعينها، تماشيًا مع كون الفكرة انتشرت لاحقًا في نماذج تعافٍ متعددة تتجاوز أي جمعية واحدة.
5. ملاحظة منهجية: التقارب المطروح بين هذه المصادر الأربعة (هادو، الغزالي، بروتشاسكا/دي كليمنتي، وبرنامج 1939) استنتاج من عندي بيّن صراحة في المتن، وليس ادعاءً تاريخيًا بوجود تأثير مباشر بين أي منها والآخر.


