حين لا يعود السؤال كيف نغيّر أنفسنا، بل ماذا سنفعل بما تغيّر فينا
بقلم: أحمد الحضرمي
انتهى المقال السابق بسؤال تركناه معلّقًا عمدًا:
إن وصل الإنسان يومًا إلى حيث كان يريد أن يصل، عبر كل ذلك التكرار والممارسة… فماذا يبقى له حين يتوقف عن الحاجة إلى الممارسة نفسها؟
لنفترض للحظة أن كل ما مررنا به في هذه السلسلة قد نجح.
اكتشفتَ الأسماء الخاطئة التي أطلقتها على مشاعرك. رأيتَ كيف شكّلك المجتمع قبل أن تعي نفسك. تحرّرتَ من قاموس لم تخترْه. مارستَ المحاسبة والتكرار حتى تغيّرت العادة فعلًا.
والآن أنت حرّ.
حرّ… لتفعل ماذا بالضبط؟
الحرية التي لا مفر منها
الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قدّم، في محاضرته الشهيرة “الوجودية مذهب إنساني” عام 1946، فكرة تبدو في البداية تحريرًا خالصًا: لا توجد طبيعة إنسانية ثابتة سبقت وجودك لتحدد من تكون. “الوجود يسبق الماهية”: أنت تُوجد أولًا، ثم تُعرّف نفسك لاحقًا بأفعالك، لا العكس.
لا إله يملي عليك معنى حياتك. لا طبيعة بشرية جاهزة تفسر أفعالك أو تبررها. لا شيء خلفك يبرر ما فعلت، ولا شيء أمامك يوجّه ما ستفعله.
ولذلك، كما يقول سارتر بعبارته الشهيرة: الإنسان “محكوم عليه أن يكون حرًا”.
لاحظ الكلمة التي اختارها: محكوم عليه. لا “محظوظ بأن يكون حرًا”، ولا “يملك امتياز الحرية”.
محكوم عليه. كأن الحرية نفسها عقوبة، لا هدية.
لماذا تكون الحرية عقوبة؟
لأنك، إن لم يكن هناك معنى معطى مسبقًا لحياتك، فأنت مسؤول عن كل قرار، دون أي عذر تختبئ خلفه.
لا تستطيع أن تقول “هذه طبيعتي” — فالطبيعة، بحسب سارتر، ليست شيئًا تملكه سلفًا، بل شيء تصنعه بأفعالك المتراكمة.
ولا تستطيع أن تقول “لم يكن أمامي خيار” — فحتى الصمت، وحتى التسليم، اختيار.
تذكّر الآن كل ما اكتشفناه في هذه السلسلة: أن الأسرة شكّلتك، وأن المجتمع رسم خطوطك، وأن اللغة أعطتك قاموسك، وأن الخوارزمية وجّهت انتباهك.
سارتر لا يجعل هذه الظروف، مهما كان أثرها، عذرًا يلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله.
لكنه يضع أمامك سؤالًا لا يرحم: حسنًا، كل هذا شكّلك. والآن، ماذا ستفعل به أنت؟ فالمسؤولية، عنده، لا تزول لأن الظروف كانت خارج إرادتك؛ فأنت لا تزال، في كل لحظة، من يقرر كيف يتصرف إزاء ما وجد نفسه فيه.
لكن رجلًا آخر جرّب الحرية في أقسى صورها
الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل أمضى ثلاث سنوات في معسكرات الاعتقال النازية، وفقد فيها زوجته ووالديه وأخاه.
في تلك الظروف، لم تكن لديه أي حرية بالمعنى الذي نفهمه عادة: لا حرية الحركة، ولا حرية القرار في أبسط تفاصيل يومه، ولا حتى حرية البقاء حيًا.
ومع ذلك، خرج من تلك التجربة بكتاب يتحدث فيه عن هامش أخير من الحرية لم يستطع أحد أن ينتزعه منه بالكامل: إمكانية اختيار الموقف الذي يتخذه تجاه ظروف لا يملك تغييرها، حتى في أقسى الظروف.
لكن فرانكل لا يتوقف عند هذا الإعلان عن الحرية؛ فهو يضيف إليه ما لم يقله سارتر بنفس الوضوح: أن هذه الحرية نفسها لا قيمة لها في ذاتها، بل في ما تُستخدم من أجله.
سمّى هذا “إرادة المعنى”: أن الدافع الأعمق في الإنسان ليس السعي إلى اللذة، ولا إلى القوة، بل السعي إلى معنى — يُكتشف، بحسب تحليله، عبر ثلاثة طرق: العمل، أو الحب، أو حتى المعاناة إن أُحسن التعامل معها.
ليسا إجابتين متنافستين، بل سؤالين مختلفين عن الحرية نفسها
سارتر وفرانكل يتفقان على نقطة مشتركة أساسية: أن الإنسان، مهما شكّلته الظروف، يبقى مسؤولًا عن موقفه منها.
لكن من الخطأ أن نختزل الفرق بينهما إلى “سارتر يريد الحرية، وفرانكل يريد المعنى، فأيهما أصح؟” — فكل منهما، في الحقيقة، يكشف مشكلة مختلفة داخل فكرة الحرية نفسها، لا يقترح بديلًا عنها.
سارتر يطرح سؤاله من زاوية الأساس: إذا لم تكن هناك ماهية جاهزة تحددك مسبقًا، فماذا ستفعل بكونك حرًا أصلًا؟ سؤاله عن مصدر الحرية وضرورتها.
وفرانكل يضغط على السؤال من زاوية مختلفة تمامًا: حتى حين تُسلب منك معظم خياراتك الخارجية — كما حدث له فعليًا — هل يبقى مجال داخلي للموقف؟ وإذا بقي، فما الذي يستحق أن تُستخدم هذه الحرية الأخيرة من أجله؟ سؤاله ليس عن مصدر الحرية، بل عن غايتها حين لا يبقى منها إلا أضيق هامش ممكن.
وحين نضع السؤالين جنبًا إلى جنب، لا يظهر جواب واحد أقوى من الآخر، بل يظهر سؤال ثالث أعمق منهما معًا:
هل الحرية أن يغيب عني ما يقيّدني، أم أن أملك القدرة على أن أختار بنفسي ما ألتزم به؟
وهنا أطرح سؤالي أنا، خارج نصّي كليهما
تخيّل شخصًا أنهى فعلًا كل ما تحدثنا عنه في هذه السلسلة: عرف كيف صيغت مشاعره، وحرّر نفسه من أسماء لم يخترها، وتدرّب حتى تغيّرت عاداته.
والآن هو حرّ، بأتم معنى الكلمة عند سارتر.
لكنه يستيقظ كل صباح ويسأل: حرّ… لأفعل ماذا؟
إن أجاب: “لأفعل ما يحلو لي”، فقد لا يجد في نهاية اليوم شيئًا يستحق أن يُروى.
وإن بحث، كما يقترح فرانكل، عن عمل يستحق، أو عن أحد يستحق أن يُحَب، أو عن معنى حتى في الألم الذي لم يخترْه — فربما تكون تلك اللحظة، لا لحظة اكتشاف الحرية نفسها، هي اللحظة التي تستحق أن نسمّيها: أن يعود الإنسان إلى نفسه أخيرًا.
فربما لا تكون الحرية هي الوجهة التي سعت إليها هذه السلسلة منذ مقالها الأول.
بل مجرد الباب الذي، أخيرًا، فتحناه.
والسؤال الذي يبقى بعده لكل قارئ وحده، لا لهذه السلسلة أن تجيب عنه نيابة عنه:
بابٌ إلى ماذا؟
المراجع
1. Jean-Paul Sartre, L’existentialisme est un humanisme (Existentialism Is a Humanism), محاضرة 1945، نُشرت 1946؛ الترجمة الإنجليزية المعتمدة لعبارة “condemned to be free”: Philip Mairet, 1948. في مفهومي “الوجود يسبق الماهية” و”محكوم عليه أن يكون حرًا”.
2. Viktor E. Frankl, Man’s Search for Meaning، كُتب 1946 في تسعة أيام بعد التحرر من معسكر تركهايم، نُشر بالألمانية 1946 وبالإنجليزية 1959. في مفهوم “إرادة المعنى” (will to meaning) والحرية الأخيرة التي لا يمكن انتزاعها: اختيار الموقف الداخلي تجاه الظروف.
3. ملاحظة منهجية: المقارنة بين سارتر وفرانكل حول “ما الذي تخدمه الحرية” صياغة وقراءة من عندي، وليست نصًا واردًا حرفيًا عند أي منهما بهذه الصورة المقارنة.


