رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
ولاية صلالة لم تعد كما كانت قبل عقد من الزمن الزيادة السكانية، وتوسع أسطول المركبات، وتحول موسم الخريف والمواسم الأخرى من ظاهرة موسمية محدودة إلى حركة شبه دائمة على مدار العام، كلها عوامل جعلت شارع السلطان قابوس الشريان الرئيسي للولاية ورغم ازدواجيته هذا الشارع الى ان الازمة لاتزال به وخاصة في المخارج وهذا يخلق اختناقاً مزمناً يمتد من دوار الدهاريز شرقاً إلى الحافة والحصن غرباً.
المناشدة الموجهة إلى المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – من العديد من المواطنين تضع الإصبع على الجرح بدقة متناهية: وصلة لا يتجاوز طولها كيلومترين يمكن أن تُحدث فرقاً جوهرياً في توزيع الحركة المرورية، وتقصير المسافات من مطار صلالة ومنطقة السعادة باتجاه الشاطئ والفنادق والمنتجعات، وتقليل زمن الرحلات واستهلاك الوقود والانبعاثات الضارة.
ما يميز هذه المناشدة أنها ليست وليدة اللحظة المجلس البلدي لمحافظة ظفار رفع مطلباً رسمياً مشابهاً منذ عام 2014. وبعد أكثر من اثني عشر عاماً، ومع إتاحة مرافق سياحية كانت تتبع المنشآت السلطانية للاستثمار، وتوسع المشاريع على الشاطئ، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. المقترح هنا ليس مجرد «فتح طريق»، بل استثمار ذكي في البنية التحتية القائمة، يعزز كفاءة الجسور والتقاطعات التي تنفذها الحكومة، ويدعم الاقتصاد السياحي الذي يعتمد عليه آلاف المواطنين والمقيمين في المحافظة. الجانب الإيجابي الأبرز في المناشدة دعوتها الصريحة إلى دراسة فنية ومرورية متكاملة تراعي الجوانب الأمنية والتنظيمية والبيئية وخصوصية المواقع المحيطة. هذا التوازن مطلوب وضروري، لأن أي قرار يجب أن يراعي الاعتبارات الأمنية والتنظيمية دون أن يُهمل المنفعة العامة الواضحة والمباشرة.
فتح الوصلة المقترحة سيساهم في تخفيف الضغط عن الشارعين الرئيسيين، ويوفر بديلاً مرنًا للحركة اليومية، خاصة خلال الذروة المدرسية والمناسبات ومواسم السياحة. اقتصاديًا، يعني ذلك تقليل هدر الوقت والوقود، وتحسين وصول السكان والزوار إلى المراكز التجارية والخدمات والأسواق، مما يعزز نشاط المحال التجارية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على موسم الخريف. الوصلة ستسهل الوصول إلى هذه المواقع وتخلق مسارًا أكثر جاذبية يربط الشاطئ بالمناطق الزراعية والمدينة، مما يثري تجربة الزائر ويشجع على الإقامة الأطول والاستهلاك في المقاهي والمطاعم والخدمات السياحية. في ظل توافد آلاف الزوار سنويًا إلى ظفار، يصبح تحسين الشبكة المرورية ضرورة للحفاظ على سمعة صلالة كوجهة سياحية مستدامة.
الأثر المستقبلي والتكامل مع مدينة صلالة المستقبلية
يأتي هذا المطلب في توقيت استراتيجي مع إطلاق مشروع “مدينة صلالة المستقبلية”، أحد أبرز المشاريع ضمن مخطط صلالة الكبرى ورؤية عُمان 2040. يمتد المشروع على شريط ساحلي بطول يصل إلى 10 كيلومترات جنوب مزرعة أزارت وخور الدهاريز، على مساحة تقارب 7-10 كيلومترات مربعة، ويستهدف استيعاب نحو 60 ألف نسمة في أكثر من 12 ألف وحدة سكنية موزعة على أربعة أحياء، مع مساحات تجارية وترفيهية وصحية وتعليمية ومرسى وممرات خضراء. المرحلة الأولى متوقعة بين 2026 و2032. تكامل الوصلة مع هذا المشروع سيحولها إلى جزء أساسي من شبكة النقل المرنة للمدينة الجديدة. بدلاً من الاعتماد على محور واحد، ستربط المناطق السكنية القائمة بالأحياء الجديدة والشواطئ والمرافق، مما يقلل الازدحام المتوقع مع زيادة السكان والزوار، ويدعم الحركة السلسة للسيارات والحافلات والدراجات. كما يعزز ذلك القيمة العقارية والاستثمارية للمنطقة، ويجذب القطاع الخاص إلى الفرص السكنية والتجارية والضيافة.
في النهاية، فتح وصلة شارع الرباط بالدهاريز مع شارع السلطان قابوس ليس مجرد حل مروري، بل استثمار في جودة الحياة والنمو الاقتصادي والسياحي المستدام. مع استمرار أعمال ازدواجية الشوارع الرئيسية وتقدم مدينة صلالة المستقبلية، فإن الاستجابة السريعة لهذه المطالبة ستضمن أن تظل صلالة مدينة مترابطة، قادرة على استيعاب طموحاتها المستقبلية دون أن تتحول شوارعها إلى حواجز تفصل بين أحيائها. في ظل التوجيهات السامية المتواصلة بتسريع إنجاز مشاريع البنية الأساسية ومعالجة الاختناقات المرورية، تبدو وصلة الرباط من المشروعات ذات العائد المرتفع مقارنة بتكلفتها. فهي تخدم السكان والزوار والمستثمرين في آن واحد، وتساهم في رفع جودة الحياة وتعزيز جاذبية صلالة السياحية على مدار العام، لا في موسم الخريف فحسب.الأمل معقود على أن تحظى هذه المناشدة بالدراسة الجادة من الجهات المختصة، وأن يُتخذ القرار المناسب الذي يخدم مصلحة الولاية وأهلها وزوارها، في إطار الرؤية الشاملة لتطوير شبكة الطرق في سلطنة عُمان. هذا النوع من المناشدات البناءة والموضوعية يستحق أن يُسمع لها، وأن يتحول إلى مشروع يُرى أثره على الأرض.
حفظ الله عمان وأهلها وسلطانها من كل شر والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة …


