د. حامد بن شظا المرجان – باحث و أكاديمي
تختزن الذاكرة الإنسانية والفكريّة قممًا شامخة أثرت الساحة بإسهاماتها العلمية ومواقفها النبيلة. وفي صدارة هؤلاء يبرز اسم المفكر والكاتب المصري الراحل خليل عبد الكريم، أحد أبرز الذين خاضوا في قضايا التاريخ الإسلامي برؤية نقدية وبحثٍ عميق.
ولد الراحل في مدينة أسوان بأقصى الجنوب المصري، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا). شهدت شبابه محطات تحول مفصلية؛ فقد انتمى في بداياته إلى تنظيم الإخوان المسلمين، وتعرض للحبس في السجون المصرية خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر، قبل أن يراجع مساره الفكري ويتخلى عن التنظيم نهائيًا، ليتحول إلى أحد أبرز الباحثين في التيار المعروف بـ “اليسار الإسلامي” أو الإسلام الوسطي. كما شارك في تأسيس حزب التجمع الوطني التقدمي وكان أحد قياداته الداعين بقوة إلى قيم الحرية والعدالة الاجتماعية، معاصرًا ثلاث عهود سياسية مفصلية: الناصرية، والساداتية، والمباركية، وكانت له آراؤه التحليلية الثاقبة حول المشهد السياسي المصري وأسباب تراجع وتدهور الأوضاع فيه.
أثارت مؤلفات خليل عبد الكريم — وفي مقدمتها كتابه الشهير “قريش: من القبيلة إلى الدولة المركزية” — سجالاً واسعًا وجدلاً عميقًا، سيما في أوساط بعض علماء الأزهر التقليديين ومنتسبي تيار الإسلام السياسي. ويعود هذا الجدل بالأساس إلى طبيعة منهجه القائم على التفتيش والدقة والصرامة العلمية، واستناده المباشر إلى أمهات الكتب والمصادر المعتمَدة لعلماء الأمة ومؤرخيها المشهود لهم.
جمعني بهذا المفكر الكبير توثيقٌ أكاديمي وعلاقة فكرية امتدت لنحو عشرين عامًا قبل رحيله، وكنتُ خلالها من أشد المعجبين بفكره ورؤيته، حتى شاءت الأقدار أن تتقارب بيننا المسافات ونلتقي عن قرب.
وفي إحدى المناسبات الرسمية، حينما كنتُ أُمثّل السلطنة في مؤتمرٍ استضافته جامعة الدول العربية بالقاهرة حول “الإعلام ودوره في العالم العربي”، دار حديثٌ بيني وبين عدد من ممثلي الوفود العربية خلال استراحة شرب الشاي حول خليل عبد الكريم وكتاباته. ولشدة العجب، زعم بعضهم أن شخصية “خليل عبد الكريم” ما هي إلا اسم مستعار وشخصية وهمية لا وجود لها في الواقع! وكان ذلك الموقف دليلاً جليًا على سطجية الطرح لدى البعض؛ إذ تصادف في اليوم نفسه أنني كنتُ على موعدٍ مع الشيخ خليل لتناول وجبة الغداء في منزله بدعوة كريمة منه ومن زوجته الفاضلة “الحاجة ثريا” (رحمهما الله).
عندما وصلتُ إلى بيته، استقبلني الأستاذ الراحل بترحابٍ أبوي دافئ. وجرى بيننا نقاشٌ فكريٌّ ثريّ بين أستاذ وتلميذه، ترك في نفسي أثرًا عميقًا لما لمسته فيه من تواضع جَمّ، وأخلاق رفيعة، وفكر متزن.
وفي حدود الساعة الرابعة والنصف عصرًا، طلب مني الشيخ أن أرافقه إلى الصيدلية القريبة لشراء دواء لزوجته الحاجة ثريا التي كانت تعاني من المرض، رغم أنها تكبّدت عناء إعداد وجبة الغداء لنا. وبعد شراء الدواء، التفت إليّ الشيخ خليل وطلب مني أن أعود بالدواء إلى المنزل وأسلمه للحاجة ثريا. وعندما سألته باستغراب عن السبب، أجابني بوفاءٍ نادر: “لدي موظفان في مكتبي بأحد الأحياء الشعبية الفقيرة (بولاق الدكرور)، وأنا حريص على أن أسلمهما راتبهما الشهري في هذا التاريخ والساعة تمامًا منذ أكثر من عشرين عامًا، ولا يمكنني التأخر عنهما اليوم”.
ذهب الشيخ إلى مكتبي الوفاء، بينما عدتُ أنا وسلمتُ الدواء للحاجة واستأذنتُ بالمغادرة. وفي طريق عودتي، أخذتُ أستحضر هذا الموقف النبيل وأتأمل: كيف يستطيع هذا الرجل أن يحافظ على عهده مع موظفيه بدقة متناهية لأكثر من عشرين عامًا دون كبوة، في حين يعجز آخرون عن الوفاء بوعودهم لعدة ساعات؟!
هذا هو خليل عبد الكريم؛ الرجل الذي اتهَم البعضُ كتاباته بالإساءة للتراث، بينما كان في حقيقة أمره محافظًا على صلواته وصيامه وصدقاته، متمسكًا بجوهر الدين الحنيف وأخلاقه السمحة وقيمه الداعية لإيفاء العقود والعهود.
رحم الله الشيخ خليل عبد الكريم، ورحم زوجته الفاضلة والدتنا ثريا، وأسكنهما فسيح جناته.



