الباب الذي كان مفتوحًا منذ البداية

نشرت :

الجواب كان في النص الذي استشهدنا به منذ المقال الأول، ولم نلتفت إليه

بقلم: أحمد الحضرمي

تركنا المقال السابق أمام باب مفتوح على كل الاحتمالات، وسألنا: بأي شيء يستحق الإنسان أن يقيّد نفسه؟ ومن يقرر ذلك؟

سأجيب الآن. لكن قبل أن أفعل، أريد أن أعترف بشيء: الإجابة لم تكن غائبة عن هذه السلسلة يومًا. كانت حاضرة منذ مقالها الأول، في الاسم نفسه الذي رافقنا من البداية: الغزالي.

لكننا استخدمناه، عبر هذه السلسلة، بوصفه صوتًا في حوار — عن الطهارة، عن المحاسبة، عن المجاهدة. أداة فكرية بين أدوات أخرى.

ولم نفتح الكتاب الذي يخبرنا فيه، بصوته هو لا بصوت من يستخدمه، من أين جاء دافعه هو تحديدًا.

الكتاب الذي لم نفتحه بعد

في كتابه “المنقذ من الضلال” — وهو غير الكتب الثلاثة التي استخدمناها من الغزالي في هذه السلسلة — يروي رحلته الشخصية الكاملة: من التقليد الموروث، إلى الشك في كل شيء، حتى الحواس نفسها، إلى اليقين الذي استقر عليه أخيرًا.

ويصف الدافع الذي حرّكه نحو هذا كله بعبارة لم نستشهد بها من قبل في هذه السلسلة:

“وقد كان التعطش إلى دَرْك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وُضِعتا في جِبِلَّتي، لا باختياري وحيلتي.”

اقرأها مرة أخرى.

الرجل الذي علّمنا المحاسبة، والمراقبة، والمجاهدة — كل ما ظننّاه “جهدًا” بشريًا خالصًا يمارسه الإنسان ليغيّر نفسه — يقول عن مصدر دافعه هو نفسه: لم يكن هذا اختياري. كان فطرة وُضِعت فيّ.

وهنا أعلن موقفي أنا، لا نتيجة أستخلصها بحياد

لن أدّعي أن هذا النص “يحسم” الخلاف بين سارتر وكيركغور الذي تركناه مفتوحًا في المقال السابق.

لن أدّعي حتى أنه حجة فلسفية قاطعة.

سأقول بدل ذلك ما أراه أنا: أن الالتزام الذي يستحق أن يُبنى عليه إنسان كامل ليس اختراعًا يصنعه من عدم، ولا وصمة اجتماعية يُراد له أن يتحرر منها. هو استعادة لشيء موجود فيه أصلًا، سبق كل ما تحدثنا عنه في هذه السلسلة: سبق الأسرة التي شكّلتنا، وسبق المجتمع الذي رسم خطوطنا، وسبق اللغة والخوارزمية والسوق.

والسند الذي أبني عليه هذا ليس شعورًا عابرًا. النبي محمد ﷺ يقول، في حديث صحيح متفق عليه: “كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه” (رواه البخاري ومسلم). وقد رواه أبو هريرة معقّبًا بالآية: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ” (الروم: 30).

الإنسان، بحسب هذا كله، لا يُولد صفحة بيضاء يكتب عليها المجتمع ما يشاء وحده، كما قد يوحي بعض ما بنيناه في المقالات الوسطى من هذه السلسلة. هناك ميل أصلي فيه، سابق على كل تشكيل خارجي، نحو الحق.

اعتراض لم أهرب منه

سارتر لن يوافقني. وأنا أمنحه اعتراضه كاملًا، بصوته، دون تلطيف:

أنت الآن، أيها القارئ، تفعل بالضبط ما حذّرتُ منه طوال مقالين كاملين. تحتمي بطبيعة جاهزة — فطرة — بدل أن تصنع نفسك من عدم بمسؤوليتك الكاملة. لا يوجد “جوهر بصلة” تحت القشور تعود إليه. أنت تصنع البصلة نفسها بكل قشرة تضيفها. وما تسميه “استعادة”، أسمّيه أنا سوء نية بأرقى صوره: الأكثر إقناعًا لأنه الأكثر راحة.

هذا اعتراض حقيقي. لا أملك ردًا فلسفيًا يُسكته.

لكن عندي ما هو أصدق من الرد: إعلان.

نعم، أنا أختار هذا الاحتماء. عن وعي كامل بأنه احتماء، لا هروبًا أعمى منه. لا لأنني عجزت عن الوقوف وحدي أمام الباب المفتوح، بل لأنني أومن أن هناك من فتحه لي أصلًا قبل أن أصل إليه، وأن ما وراءه ليس فراغًا أملؤه بنفسي، بل حقيقة أُدعى إليها.

هذا إيمان، لا برهان. وأكتبه بصفته كذلك، لا نتيجة منطقية حتمية يفرضها كل ما سبق من هذه السلسلة.

البصلة التي لا تنتهي إلى فراغ

ولماذا يحتاج من يمشي على هذا الطريق أن يجدد التزامه كل يوم، لا مرة واحدة؟

لأن الفطرة، وإن كانت أصلًا ثابتًا، تُحجب بتراكم الحياة وشروطها، طبقة بعد طبقة — أسماء أطلقها المجتمع، وقاموس فرضته اللغة، وإطارًا كرّرته الخوارزمية — تمامًا كما تراكمت طوال هذه السلسلة، مقالًا بعد مقال.

والعودة إليها ليست اكتشاف شيء جديد؛ إنها تقشير. طبقة بعد طبقة، حتى نصل إلى ما كان موجودًا من البداية.

ومن ترك هذا التقشير يومًا، ظانًا أنه وصل أخيرًا فلم يعد بحاجة إليه، ستعود الحياة بشروطها لتختم عليه من جديد. هذا ليس ضعفًا فيمن يحتاج أن يعاود التقشير كل يوم؛ إنه طبيعة الطريق نفسه. البصلة لا تُقشَّر مرة واحدة وتبقى مقشّرة إلى الأبد.

والآن أعود إلى الجملة التي بدأنا بها هذه السلسلة كلها، في مقالها الأول: هل تحتاج الروح إلى وضوء؟

لم يكن السؤال يومًا عن الماء.

كان عن هذا بالضبط: أن نتعلم النظر، ثم التسمية، ثم التمييز، ثم التخلي — لا لنصل إلى شيء غريب عنا، بل لنعود إلى شيء كان فينا قبل أن نبدأ الرحلة.

الروح، كما قلنا في تلك البداية، لا تحتاج أن تصبح بلا طين. تحتاج فقط ألا تتحول إلى صهريج يحتفظ بكل ما أُلقي فيه.

والباب الذي وقفنا أمامه في المقال الماضي، والذي ظننّا أننا نبحث عن مفتاح له…

لم يكن يومًا بحاجة لأن يُفتح.

كان مفتوحًا منذ ولدنا.

كل ما فعلته هذه السلسلة، من مقالها الأول إلى هذه الكلمة الأخيرة، لم يكن رحلة نحو باب جديد.

كان محاولة لتذكّر أنه كان مفتوحًا طوال الوقت.

المراجع

1. أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال والمفصح بالأحوال. مرجع جديد لم يُستخدم في المقالات السابقة (التي استندت إلى أسرار الطهارة، والمراقبة والمحاسبة، ومفهوم المجاهدة من إحياء علوم الدين). النص المقتبس حرفيًا: “وقد كان التعطش إلى دَرْك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وُضِعتا في جِبِلَّتي، لا باختياري وحيلتي.”

2. الحديث: “كل مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه” — رواه البخاري (١٣٥٩، ١٣٨٥) ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه، حديث متفق عليه.

3. القرآن الكريم، سورة الروم، الآية 30: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ” — وهي الآية التي روى بها أبو هريرة تتمة الحديث السابق.

4. Jean-Paul Sartre, L’Être et le Néant (Being and Nothingness), 1943، المصدر الفلسفي الأساسي لمفهوم “سوء النية” (mauvaise foi)، الموظّف هنا في صيغة اعتراض مباشر متخيَّل موجَّه لموقف الكاتب، لا نقلًا حرفيًا عن نص بعينه يخاطب هذه المسألة تحديدًا.

5. ملاحظة منهجية ختامية: هذا المقال يعلن موقفًا شخصيًا صريحًا للكاتب حيال التوتر الفلسفي الذي طُرح بحياد في المقال السابق بين سارتر وكيركغور، ولا يزعم أنه حسم ذلك التوتر فلسفيًا أو أثبت خطأ أي طرف فيه.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img