رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
في كل موسم خريف، وفي كل يوم عادي تقريباً، تتكرر المأساة ذاتها على طريق عقبة ياسمين، أو ما يُعرف أيضاً بعقبة حمرير، لم تعد مجرد منحدر جبلي حاد، بل تحولت إلى فخ دائم يحصد الأرواح ويُعطّل الحركة ويُرهق الاقتصاد المحلي. الطريق الجبلي ذو الانحدارات الشديدة والمنحنيات الضيقة يستقبل يومياً مزيجاً قاتلاً: شاحنات محملة بمواد سائلة وخطرة وحاويات ثقيلة، ومركبات خفيفة تقل عائلات وسياحاً ومسافرين. في موسم الخريف يزداد الخطر أضعافاً؛ الضباب الكثيف والرذاذ والطبقة الزيتية على الإسفلت تحول الطريق إلى سطح زلق، فتتدهور الشاحنات أو تنحرف وتصطدم، وغالباً ما تكون النتيجة حرائق أو وفيات أو إغلاقاً طويلاً للمسار الوحيد تقريباً.
الأمثلة ليست نادرة. حوادث تدهور شاحنات متعددة، وفيات مواطنين (منهم عسكريون)، وإغلاق متكرر للحركة باتجاه صلالة، كلها أصبحت مشاهد مألوفة. الشرطة تنشر تنبيهات، والمواطنون يشاركون صوراً وفيديوهات، والمنشورات على منصات التواصل تتحول إلى ترند يطالب بالحل.. ثم يهدأ الصوت حتى الحادث التالي.
المفارقة المؤلمة أن الحل معروف منذ سنوات. منذ 2018 طرحت وزارة النقل مناقصة لدراسة جدوى طريق شاحنات منفصل بطول نحو 67 كيلومتراً بين صلالة وثمريت، بهدف فصل النقل الثقيل عن المركبات الخفيفة في المقاطع الأخطر. في 2023 تأهلت شركات وتحالفات عالمية، وفي مراحل لاحقة جرى الحديث عن شراكة مع القطاع الخاص. لكن المشروع ما زال يراوح مكانه بين الدراسات والإجراءات، بينما تتزايد حركة الشاحنات مع نمو ميناء صلالة والمناطق الصناعية، ومع توقيع مذكرات تفاهم لمنطقة ثمريت الصناعية.
المواطنون يقترحون حلولاً مؤقتة وعملية: منع الشاحنات الثقيلة من العقبة في أوقات الذروة أو خلال الخريف وتوجيهها إلى مسارات بديلة مثل طريق حجيف – قفطوت، ووضع موازين أوزان قبل العقبة، وتشديد الرقابة الفنية، وتحسين الإشارات والإضاءة والحواجز. أما الحل الاستراتيجي فيبقى الطريق المخصص أو حتى دراسة نفق يختصر المسافة ويقلل المخاطر جذرياً.
ما يحدث ليس مجرد “حادث مروري”، بل فشل متكرر في ترجمة الدراسات إلى تنفيذ. الطريق شريان اقتصادي وسياحي واجتماعي يربط شمال السلطنة بجنوبها، ويعتمد عليه نقل البضائع والسياحة والحركة اليومية. تركه بهذا الشكل يعني استمرار الرهان على الحظ بدل معايير السلامة. الأرواح أغلى من أي ميزانية، والتكلفة الإنسانية للتأخير أكبر بكثير من تكلفة الإنشاء.
الترند الذي يظهر كل مرة ليس صراخاً عابراً، بل صرخة تحذير متكررة. آن الأوان أن يتحول الحديث عن “دراسة” و”تأهيل” إلى جدول زمني واضح وترسية وتنفيذ. فكل يوم تأخير هو يوم إضافي على طريق يعرف الجميع أنه قد يكون الأخير لبعض من يسيرون عليه.
حفظ الله عمان وأهلها وسلطانها والأمة العربية والانسانية كافة من كل مكروه…




