راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
في الوقت الذي تتجه فيه منظومة التعليم في سلطنة عُمان نحو تعزيز جودة التعليم ورفع كفاءة الأداء المدرسي، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف يمكن أن نرفع جودة التعليم من دون أن يتحول المعلم إلى طرف يتحمل أعباء متزايدة من اللجان والمهام والمتابعات على حساب مهمته الأساسية داخل الصف؟ فالمعلم في نهاية المطاف ليس آلة تعمل بلا توقف، وإنما إنسان يحتاج إلى الوقت والطاقة والتركيز والبيئة المهنية المستقرة حتى يستطيع القيام بالدور المنوط به تجاه الطلبة. ومع توسع برامج الجودة والتقييم والمتابعة وظهور لجان مركزية ومحلية مرتبطة بمختلف المبادرات التعليمية، يشعر بعض العاملين في الميدان التربوي بأن جزءًا من يومهم المهني أصبح موزعًا بين التدريس، والتحضير، والتقييم، والتوثيق، وإعداد التقارير، وحضور الاجتماعات، والمشاركة في اللجان، وتنفيذ المهام الإضافية. وهنا لا تكمن المشكلة بالضرورة في وجود اللجان نفسها، فالكثير منها قد يكون ضروريًا لضمان جودة العمل وتحسين المخرجات، وإنما في طريقة توزيع الأدوار وحجم المتطلبات وتداخلها وتكرارها.
جودة التعليم تبدأ من داخل الصف …
الهدف من أي نظام للجودة هو في النهاية تحسين تعلم الطالب، وهذا يعني أن غرفة الصف يجب أن تظل في قلب عملية التطوير. وتوضح وزارة التعليم أن نظام التعليم يتضمن دعمًا للتطوير المهني المستمر للهيئة التدريسية، إلى جانب تفعيل الإشراف التربوي لمتابعة الأداء وتقديم الدعم الفني وتحسين الممارسات المهنية.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: هل كل مهمة إضافية تُطلب من المعلم تسهم فعلاً في تحسين التعليم؟ إذا كانت الإجابة نعم، فكيف يمكن تنفيذها بأقل وقت وجهد إداري؟ وإذا كانت الإجابة لا، فهل يمكن إلغاؤها أو دمجها أو نقلها إلى جهة أخرى؟ هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على الجودة، وإنما هي في جوهرها بحث عن جودة أكثر كفاءة وأقل استنزافًا للمعلم.
من لجنة إلى لجنة… أين يذهب وقت المعلم؟
تحتاج مشاريع الجودة إلى المتابعة والقياس والتقييم، وقد شهد قطاع التعليم في السلطنة نماذج مختلفة من اللجان المركزية والفرعية لمتابعة التحصيل الدراسي والممارسات التعليمية، مع توزيع أدوار بين المستوى المركزي والمحافظات التعليمية والمدارس. غير أن وجود هيكل متابعة متعدد المستويات يمكن أن يتحول، إذا لم تتم إدارة الأدوار بدقة، إلى سلسلة طويلة من الطلبات والتقارير والاجتماعات. وقد يصبح المعلم مطالبًا بالمشاركة في لجنة، ثم متابعة متطلبات لجنة أخرى، ثم إعداد شواهد وتقارير، ثم حضور لقاءات أو تنفيذ استمارات، إلى جانب مسؤولياته اليومية الأساسية. وهنا تظهر مشكلة الوقت المهني فالمعلم الذي يدخل الصف بعد يوم طويل من التدريس، ثم يعود إلى أعمال إضافية ومتطلبات توثيق واجتماعات، قد يجد أن الوقت الذي كان يفترض أن يخصصه لتطوير الدرس، وقراءة أعمال الطلبة، وإعداد أنشطة تعليمية مبتكرة، أصبح موزعًا على مجموعة واسعة من المتطلبات.
لا ينبغي أن تصبح الجودة عبئًا على جودة التعليم
المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن البرامج التي تهدف إلى تحسين جودة التعليم قد تؤدي، إذا زادت متطلباتها الإدارية دون ضوابط، إلى تقليص الوقت المتاح للمعلم لممارسة العمل الذي تقيسه تلك البرامج. فالهدف ليس أن ينتج المعلم عشرات الملفات والتقارير، وإنما أن تتحسن خبرة الطالب داخل الصف. ولذلك فإن معيار نجاح أي لجنة أو مبادرة تعليمية ينبغي ألا يكون عدد الاجتماعات التي عقدتها، أو عدد النماذج التي عبأتها المدارس، وإنما أثرها الفعلي على التعليم والتعلم.
المعلم يحتاج إلى بيئة عمل صحية
سبق أن وثقت لقاءات تربوية رسمية مطالب من الميدان تتعلق بكثرة الأعباء الواقعة على المعلمين، وتخفيف النصاب، وتوفير بيئة عمل أفضل، وربط التدريب باحتياجات المعلمين الفعلية وهذه المطالب تعيد طرح قضية أساسية إذا أردنا من المعلم أن يكون مبدعًا، فلا بد أن نمنحه مساحة للإبداع. وإذا أردنا منه تطوير أساليب التدريس، فيجب ألا يستنفد معظم وقته في أعمال جانبية. وإذا أردنا منه الاهتمام بالطالب الفرد، فيجب أن تتوفر له مساحة زمنية تسمح بذلك. وإذا أردنا منه أن يشارك في تطوير المدرسة، فيجب أن تكون مشاركته منظمة وواضحة، وليست تراكمًا مفتوحًا للمهام.
هل الحل في إلغاء اللجان؟
ليس بالضرورة فبعض اللجان والبرامج الرقابية والتطويرية لها أهمية حقيقية، خصوصًا عندما تكون مرتبطة بقياس الأداء وتحسين الممارسات التعليمية لكن الحل قد يكون في إعادة تصميم منظومة اللجان نفسها. ومن الأفكار التي يمكن أن تكون محل دراسة حصر جميع اللجان والمهام وإجراء مراجعة شاملة لجميع اللجان والفرق والمبادرات التي يشارك فيها المعلم داخل المدرسة وخارجها، وتحديد: ما هو إلزامي؟ ما هو مؤقت؟ ما هو متكرر؟ ما يمكن دمجه؟ ما يمكن إلغاؤه؟ وما الذي يمكن أن يقوم به موظفون إداريون أو مختصون بدلًا من المعلم؟ ووضع سقف للمهام الإضافية يمكن دراسة وضع سقف واضح لعدد اللجان أو المهام الإضافية التي يمكن إسنادها للمعلم خلال العام الدراسي. فالعدالة لا تعني توزيع المهام فقط، وإنما تعني أيضًا عدم تحميل الشخص فوق قدرته ووقته المتاح.
حماية وقت التدريس
ينبغي اعتبار وقت المعلم داخل الصف، ووقت التحضير والتقييم والتخطيط، وقتًا مهنيًا محميًا وأي اجتماع أو مهمة إضافية ينبغي أن تدرس في ضوء سؤال بسيط: هل تستحق هذه المهمة أن نأخذ من وقت المعلم المخصص للتدريس والتحضير؟
كما ان دمج اللجان ذات الاختصاص المتقارب بدل وجود عدة فرق تتابع جوانب متقاربة من الجودة والتحصيل والأنشطة والتقييم، يمكن دراسة دمجها في فرق محدودة ذات اختصاص واضح، بحيث تصل المدرسة إلى جهة متابعة واحدة بدل تعدد قنوات الطلبات.
القضية لا تتعلق بالمعلم وحده فمدير المدرسة نفسه قد يجد أن جزءًا كبيرًا من وقته موزع بين المتابعة والتقارير والاجتماعات والطلبات الإدارية، بدل التركيز على القيادة التعليمية ومساندة المعلمين والطلبة. لذلك فإن معالجة المشكلة يجب أن تشمل المدرسة باعتبارها وحدة متكاملة، وأن يعاد توزيع العمل بين الإدارة والمعلمين والمختصين وفق الاختصاص الحقيقي لكل طرف. لا جودة من دون إنسان التعليم في جوهره علاقة إنسانية هناك معلم يقف أمام الطلبة ساعات طويلة، يشرح ويجيب ويقيّم ويتابع الفروق الفردية ويحاول معالجة صعوبات التعلم ويشارك في الأنشطة ويواجه تحديات يومية داخل المدرسة ومن الخطأ أن ننظر إلى هذا الجهد وكأنه مورد لا ينفد. المعلم يحتاج إلى الراحة، ويحتاج إلى التقدير، ويحتاج إلى وقت للتخطيط، ويحتاج إلى تدريب نوعي، ويحتاج كذلك إلى أن يعرف بوضوح: ما المطلوب منه؟ وما الذي ليس من اختصاصه؟ وهذه ليست رفاهية وظيفية، بل جزء من بناء مدرسة قادرة على تقديم تعليم جيد ومستدام.
المطلوب.. إعادة ترتيب الأولويات لا يحتاج التعليم بالضرورة إلى مزيد من اللجان بقدر ما يحتاج إلى وضوح في المسؤوليات ولا يحتاج المعلم إلى مزيد من النماذج بقدر ما يحتاج إلى وقت يستطيع فيه أن يخطط ويدرس ويقيّم ويطور نفسه. ولا تقاس جودة المدرسة بعدد المبادرات التي تنفذها، وإنما بما يراه الطالب فعليًا داخل الصف. ولهذا ربما يكون الوقت مناسبًا لفتح حوار مهني واسع حول عبء المهام الجانبية على المعلمين، تشارك فيه الوزارة، والمديريات التعليمية، وإدارات المدارس، والمشرفون، والأهم: المعلمون أنفسهم. وقد يكون من المفيد البدء بدراسة ميدانية بسيطة تقيس عدد الساعات التي يقضيها المعلم أسبوعيًا في التدريس والتحضير والتقييم، مقابل الوقت الذي يذهب إلى الاجتماعات واللجان والتقارير والمهام الأخرى. عندها يمكن الانتقال من الانطباعات إلى الأرقام، ومن الشكوى إلى التشخيص، ومن التشخيص إلى حلول قابلة للقياس. فالهدف ليس تقليل العمل من أجل تقليله، وإنما إعادة توجيه جهد المعلم إلى المكان الذي يصنع فيه التعليم أثره الحقيقي: الطالب، والصف، والتعلم. وإذا كانت جودة التعليم هي الهدف، فإن حماية المعلم من الاستنزاف الإداري والاحتراق الوظيفي يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية الجودة نفسها، لا قضية منفصلة عنها .
حفظ الله عمان وشعبها وسلطانها والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من مكروه …


