قضاءُ الحوائج… أرستقراطيةُ الرُّوح وفلسفةُ النُّبل

نشرت :

ليست رفعةُ الإنسان فيما تعلو به منزلتُه بين الناس، بل فيما ينخفض إليه من تواضعٍ دون أن تنخفض كرامته؛ وليست عظمةُ المكانة فيما تمنحه من قدرة، بل فيما توقظه تلك القدرة من رحمة.

ثمة مراتب في الحياة لا تكتبها الألقاب، ولا تمنحها المناصب، ولا تستطيع المظاهر، مهما بلغت من البهاء، أن تصطنع لها مقامًا في ضمير الزمن. إنها مراتب خفيّة، تُبنى في صمت، وتُختبر حين تتقاطع قدرة الإنسان مع حاجة أخيه الإنسان؛ هنالك، بعيدًا عن صخب الامتيازات وشهوة الظهور، تتكشف أرستقراطية الروح، ويظهر الفرق بين من يملك أسباب التأثير، ومن يمتلك أخلاق التأثير.

وفي طليعة هذه المراتب يأتي قضاء حوائج الناس؛ لا بوصفه مكرمةً عابرة، ولا سلوكًا اجتماعيًا يُستحسن في مواسم الفضيلة، بل باعتباره فلسفةً متكاملة في فهم الإنسان، وامتحانًا لنقاء السريرة، ودليلًا على أن النفس كلما اتسعت من الداخل، ضاقت فيها مساحة الاستعلاء، واتسعت قدرتها على احتواء الآخرين دون أن تستشعر تفوقًا عليهم.

لقد وضع النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى في أفقه الإيماني والإنساني حين قال: «مَن نفَّس عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». وفي هذا التوجيه النبوي تتجلى حكمةٌ تتجاوز ظاهر الفعل إلى عمق المصير؛ فالكربة التي ترفعها عن إنسان ليست شأنًا صغيرًا في ميزان الرحمة، والستر الذي تحفظ به كرامته ليس تفصيلًا عابرًا في أخلاق المعاملة، بل هما من الأعمال التي يَعِد الله عليها بجزاءٍ من جنس الرحمة والستر.

إن قضاء الحوائج هو الموضع الذي تتحول فيه الأخلاق من معانٍ محفوظة في الذاكرة إلى حقائق تمشي على الأرض.

فليس صعبًا أن يتحدث المرء عن الرحمة حين لا تكلفه شيئًا، ولا أن يتغنى بالمروءة حين لا تستدعي منه موقفًا، ولا أن يعلن احترامه للإنسان ما دامت كرامة ذلك الإنسان لا تتقاطع مع مصالحه. أما النبل الحقيقي فيبدأ حين يصبح الخير اختيارًا واعيًا، وحين تتقدم المروءة على الحسابات الضيقة، وحين يستطيع الإنسان أن يستخدم ما لديه من مالٍ أو جاهٍ أو علمٍ أو نفوذٍ ليخفف عن غيره وطأة الحياة، دون أن يجعل من عطائه منصةً يطل منها على علو منزلته.

وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: أن الإنسان قد يزداد عظمةً كلما تحرر من حاجته إلى الشعور بالعظمة؛ وقد يبلغ من الشرف منزلةً أرفع كلما كفّ عن مطالبة الآخرين بالاعتراف بشرفه. فالنفس التي لا تزال تنتظر من كل إحسانٍ شهادةً بمكانتها، لم تتحرر تمامًا من أسر صورتها في أعين الناس؛ أما النفس التي تفعل الخير لأن الخير جديرٌ بأن يُفعل، فقد انتقلت من طلب التقدير إلى استحقاق الاحترام.

وليس أرقى العطاء ما يُبذل من فائض المال وحده، بل ما يُبذل من سعة القلب، ونبل القصد، وحسن التقدير. فقد يعطي المرء مالًا وفيرًا، ثم يترك في نفس المحتاج جرحًا من المنّة؛ وقد يقدم آخر مساعدةً محدودة، لكنه يحيطها من اللطف والستر ما يجعلها أوسع أثرًا من قيمتها المادية. فالعطاء، في ميزان الأخلاق، لا يُقاس بما خرج من اليد فحسب، بل بما بقي في نفس المتلقي من كرامة، وبما استعادته روحه من طمأنينة.

ومن هنا، فإن الفرق بين المحسن والمتفضل على الناس ليس فرقًا في حجم ما يقدمانه، بل في النظرة التي ينطلقان منها. فالمحسن يرى في قدرته مسؤولية، وفي حاجات الناس مجالًا للرحمة، وفي المعروف حقًا أخلاقيًا يُرجى ثوابه من الله. أما من تستدرجه المنّة، فإنه يحوّل المساعدة إلى علاقة تفاضل، ويجعل من حاجة الآخرين مناسبةً لإثبات مكانته؛ فيمنح بيده، لكنه ينتزع بشعوره شيئًا من استقلال من أعانه.

وأرفع مراتب الإحسان أن تخرج من الموقف وقد أعنت إنسانًا، دون أن تجعله يشعر لحظةً واحدة بأنه أصبح أقل منك.

فكرامة المحتاج ليست هامشًا في قصة الإحسان، بل هي جوهرها الذي لا يستقيم بدونه. وليس الستر أن تخفي اسم الإنسان فحسب، بل أن تصون حكايته من التداول، ووجعه من الاستعراض، وظروفه من أن تصبح مادةً للحديث. إن بعض الناس لا يثقل عليهم الاحتياج بقدر ما يثقل عليهم انكشافه، ولا يؤلمهم العسر وحده بقدر ما تؤلمهم نظرةٌ تشعرهم بأنهم صاروا موضع شفقة أو منّة.

ولذلك، فإن أدب قضاء الحوائج أرقى من مجرد القدرة على قضائها؛ إنه معرفة اللحظة المناسبة، والطريقة التي لا تجرح، والعبارة التي لا تحرج، والمبادرة التي لا تقتحم خصوصية الإنسان. إنه أن ترى الحاجة دون أن تفضح صاحبها، وأن تفهم الصمت دون أن تستدرج صاحبه إلى الاعتراف، وأن تفتح الباب دون أن تشعر من عبره بأن عليه أن ينحني طويلًا أمام من فتحه.

وهذه منزلة لا يبلغها إلا من امتلك حساسيةً أخلاقيةً تتجاوز ظاهر الوقائع إلى ما وراءها؛ فمن الناس من يحتاج إلى المال، ومنهم من يحتاج إلى فرصة، ومنهم من يحتاج إلى كلمةٍ تعيد ترتيب ثقته بنفسه، ومنهم من لا ينقصه الحل بقدر ما ينقصه شخصٌ يصغي إليه دون إدانة، ويقف إلى جانبه دون ضجيج.

وقد تكون أعظم الحاجات تلك التي لا تُقال. فكم من إنسان يُحسن ترتيب ملامحه، بينما تتزاحم في داخله أسئلة العجز والقلق؛ وكم من نفسٍ تستنكف السؤال، لا لأنها لا تحتاج، بل لأنها تخشى أن تدفع من كرامتها ثمنًا لما تطلب. هنا تتجلى فطنة النبلاء: أن يُحسنوا قراءة الموقف دون ادعاء معرفة ما في الصدور، وأن يعرضوا العون بلباقةٍ تحفظ حرية الرفض، وتترك للإنسان حقه في أن يقبل المساعدة دون أن يشعر بأنه فقد استقلاله.

ولعلّ في المبادرة إلى الخير سرًّا من أسرار الرقي الإنساني؛ فليس كل من ينتظر السؤال قادرًا على فهم الحاجة، وليس كل من يسمع الشكوى يعرف كيف يترجمها إلى فعل. أما صاحب المروءة، فإنه لا ينتظر دائمًا أن تُصاغ المعاناة في طلبٍ واضح، لكنه في الوقت نفسه لا يجعل حدسه ذريعةً للتدخل في شؤون الناس. يقترب بقدر ما تقتضيه الرحمة، ويتراجع بقدر ما تقتضيه الكرامة؛ فلا يترك المحتاج وحيدًا، ولا يصادر حقه في تقرير ما يناسبه.

إن النبل ليس أن تكون يدك أعلى من يد غيرك، بل أن تكون قدرتك أوسع من رغبتك في السيطرة، وأن تكون رحمتك أرفع من حاجتك إلى الامتنان.

وفي المجتمعات التي تدرك المعنى العميق للمروءة، لا تبقى هذه القيم حبيسة المبادرات الفردية، بل تتحول إلى ثقافة عامة، وإلى معيارٍ في إدارة الشأن العام، وفي ممارسة المسؤولية، وفي فهم الوظيفة والمكانة والجاه. فالمسؤول النبيل لا يرى المنصب امتيازًا يعزله عن حاجات الناس، بل أمانةً تضعه أمام مسؤولية التيسير والإنصاف؛ وصاحب النفوذ لا يقيس نجاحه بعدد الأبواب التي تُفتح له، بل بعدد الأبواب التي استطاع أن يجعلها مفتوحةً أمام أصحاب الحقوق.

ومن هنا، يتضح الفرق بين الشفاعة التي تنصر حقًا، والوساطة التي تصنع استثناءً غير عادل؛ وبين استخدام المكانة لتذليل عقبةٍ لا مبرر لها، واستخدامها لتجاوز حق الآخرين. فليس كل تدخلٍ إحسانًا، ولا كل قضاء حاجةٍ عدلًا؛ إنما تكتمل قيمة المساعدة حين تتسق مع الحق، وتصون كرامة المستفيد، ولا تنتقص من حقوق الغائبين.

إن المجتمع الذي يجعل قضاء الحوائج ثقافةً مؤسسيةً وأخلاقيةً لا يضطر أفراده إلى استجداء القرب من أصحاب القرار حتى يبلغوا حقوقهم، ولا يحوّل معرفة الأشخاص إلى شرطٍ للإنصاف. ففيه تؤدى الخدمات بوصفها مسؤولية، وتُنجز المعاملات وفق مقتضيات العدالة، وتُستخدم المكانة لتيسير المشروع من المصالح، لا لصناعة التبعية أو شراء الامتنان.

وليس من قبيل المصادفة أن تكشف المواقف الصغيرة عن حقائق كبيرة في شخصية الإنسان؛ فطريقة تعامله مع صاحب الحاجة قد تقول عنه ما لا تقوله سنوات من الخطاب المنمق. فقد تتسع دائرة معارفه، وتعلو منزلته، وتكثر حوله عبارات الثناء، لكنه يظل محتاجًا إلى ذلك الاختبار البسيط: ماذا يفعل حين يأتيه إنسانٌ لا يملك أن يمنحه شيئًا في المقابل؟ هل يراه عبئًا على وقته، أم أمانةً عابرة تستحق منه حسن المعاملة؟ هل يمنحه ما يستطيع بكرامة، أم يجعل من عجزه مناسبةً لاستعراض قدرته؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ترسم الفارق بين وجاهةٍ تُرى، ونبلٍ يُحسّ؛ بين مكانةٍ يفرضها الموقع، ومكانةٍ يصنعها الأثر. فالوجاهة قد تفتح المجالس، أما المروءة فتفتح القلوب، والنفوذ قد يفرض الحضور، أما الإحسان فيمنح الحضور معنىً يبقى بعد الغياب.

ثم إن للحياة فلسفتها التي لا تُختزل في الحسابات المباشرة؛ فما نزرعه من خيرٍ قد لا يعود إلينا من الطريق الذي خرج منه، وما نبذله من رحمةٍ قد نجد أثره في لحظةٍ أخرى، وعلى هيئةٍ لم نتوقعها. قد تعين إنسانًا لا تربطك به مصلحة، ثم يهيئ الله لك من أسباب الفرج ما لم يكن في حسبانك، وقد تحفظ كرامة أحدهم في غيابه، ثم تجد من يحفظ كرامتك حين تعجزك الظروف عن الدفاع عنها.

لكن عظمة هذا المعنى لا تكمن في تحويل الإحسان إلى استثمارٍ ينتظر عائده، بل في أن يُحسن الإنسان لأنه يؤمن بأن الخير قيمةٌ في ذاته، وأن الله لا يضيع أجر المحسنين. فليس من كمال النية أن نؤجل المعروف انتظارًا لمكافأة، ولا من صفاء القلب أن نقيس كل موقفٍ بما قد يعود علينا منه؛ بل أن نؤدي ما نستطيعه من الخير، ونترك لله تدبير ما لا نحيط بحكمته.

وهنا يلتقي البعد الإنساني بالبعد الإيماني؛ فالإنسان الذي يوقن بأن القدرة عاريةٌ من الله، وأن ما في يده ليس ضمانًا أبديًا لتفوقه، ينظر إلى المحتاج بعينٍ أكثر تواضعًا. إنه يدرك أن الأدوار تتبدل، وأن الطريق الذي يمشيه المرء اليوم في سعةٍ قد يمشيه غدًا في ضيق، وأن حاجتنا المتبادلة ليست نقصًا في إنسانيتنا، بل حقيقةٌ من حقائق وجودنا. ولذلك، لا يتعالى حين يعطي، ولا ييأس حين يحتاج، ولا يجعل من العسر وصمةً، ولا من اليسر شهادةً بالتفوق.

إن أجمل ما في قضاء الحوائج أنه يعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي: كائنٌ لا تكتمل إنسانيته بالاستغناء عن الآخرين، بل بقدرته على التراحم معهم. وكلما ازداد وعيه بهذه الحقيقة، تحرر من وهم الاكتفاء المطلق، وأدرك أن بعض أجمل آثار الحياة لا تُصنع منفردة، بل تتشكل حين يصبح الإنسان سببًا في تخفيف عبءٍ عن إنسان آخر.

وليس مطلوبًا من المرء أن يحمل أوجاع العالم كلها، ولا أن يتجاوز حدود استطاعته حتى يثبت إخلاصه؛ فالمروءة ليست استنزافًا للنفس، ولا تكليفًا بما لا يُطاق. إنما هي أن يبذل المرء ما يستطيع بحكمة، وأن يعرف أين تنفع كلمته، وأين يلزم فعله، وأين يكون الصمت سترًا، وأين يصبح التدخل ضرورةً أخلاقية. فقد تكون النجدة في مساعدةٍ عاجلة، وقد تكون في توجيهٍ صادق، وقد تكون في حماية حق، وقد تكون في إحالة إنسانٍ إلى من يملك القدرة على إعانته.

وفي كل ذلك، يظل الميزان هو أن يكون الخير نافعًا، والنية صادقة، والطريقة كريمة، والحق مصونًا.

فما أرفع الإنسان حين يصبح وجوده في حياة الآخرين مصدر طمأنينة، لا عبئًا؛ وبابًا للفرج، لا وسيلةً للهيمنة؛ وذكرى طيبة، لا دينًا من الامتنان يُطالبون بسداده.

ولعلّ أعظم ما يتركه المحسن في هذه الحياة ليس أسماء الحاجات التي قضاها، ولا عدد المواقف التي تدخل فيها، بل ذلك الأثر الهادئ الذي يستقر في النفوس بعد انقضاء المواقف؛ شعور الإنسان بأنه لم يكن وحيدًا، وأن كرامته لم تكن ثمنًا لعونه، وأن في هذا العالم من لا يزال يرى في الرحمة شرفًا، وفي المروءة مسؤولية، وفي فعل الخير عبادةً يُرجى بها وجه الله.

فإذا أردنا أن نعرف حقيقة النبل، فلننظر إلى ما تصنعه القدرة حين تلتقي بالحاجة، وإلى ما تصنعه المكانة حين تواجه الضعف، وإلى ما يختاره الإنسان حين يستطيع أن يمنح دون أن يُسأل، وأن يستر دون أن يُطالب، وأن يعين دون أن ينتظر تصفيقًا.

هناك، في تلك المسافة الصامتة بين القدرة والرحمة، تتحدد أرستقراطية الروح.

وهناك نفهم أن بعض الناس لا يتركون وراءهم ضجيجًا يملأ المجالس، بل يتركون فرجًا في حياة إنسان، وطمأنينةً في قلب إنسان، ودعوةً صادقةً تصعد من قلبٍ عرف الإحسان ولم يُجرح به.

فليس أسمى من أن يجعل الله الإنسان مفتاحًا للخير؛ تُفرَّج على يديه كربة، وتُصان بسببه كرامة، ويُستعاد على أثره أمل. وليس أخلد من نبلٍ لا يحتاج إلى شاهد، لأن الله يعلمه، ولا إلى تصفيق، لأن أثره يسكن القلوب.

حاتم الكثيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img