من وندسور إلى معادلات المستقبل.. عُمان حين يتحوّل التاريخ إلى قوة استراتيجية

نشرت :

بقلم: إيمان بنت الصافي الحريبي

ليست الزيارات الرسمية الكبرى مجرّد محطات في جدول العلاقات الدولية؛ فبعضها يكشف، من خلال رموزه وخطاباته وما يستدعيه من ذاكرة، كيف تنظر الدول إلى بعضها، وأيّ موقع تمنحه إحداها للأخرى في حسابات الحاضر واستحقاقات المستقبل. ومن هذا المنظور، تكتسب زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة، ومأدبة العشاء الرسمية التي أقامها جلالة الملك تشارلز الثالث، ملك المملكة المتحدة في قلعة وندسور، دلالةً تتجاوز مراسم الاستقبال والضيافة؛ إذ تتيح قراءة علاقةٍ راكمت عناصر استمرارها عبر قرون، وتسعى اليوم إلى تعزيز روابطها وتوسيع آفاق التعاون بما يتناسب مع عالم تتغير فيه موازين القوة، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية بوتيرة متسارعة.

وفي مثل هذه المناسبات، لا تكمن أهمية الخطاب في عباراته الاحتفائية وحدها، بل في طبيعة المعاني التي يختار أن يستحضرها، وفي الرسائل التي يوجّهها إلى الداخل والخارج. وقد حملت كلمتا جلالة السلطان المعظّم وجلالة الملك تشارلز الثالث ملامح علاقة لا تستمد قيمتها من قِدمها فحسب، وإنما من قدرتها على تجديد مضمونها؛ علاقة تتجاور فيها الذاكرة التاريخية مع المصالح المعاصرة، ويغدو فيها الاحترام المتبادل أساسًا لشراكة لا تُقاس بما أنجزته في الماضي فقط، بل بما تستطيع أن تفتحه من مسارات في المستقبل.

لقد اختار جلالة الملك تشارلز الثالث أن يستهل جانبًا من حديثه باستحضار العمق التاريخي للعلاقات العُمانية البريطانية، مستعيدًا حضور البحّارة العُمانيين في طرق التجارة عبر المحيط الهندي، ودور اللبان العُماني في شبكات التبادل القديمة الممتدة نحو بلاد الرافدين والبحر المتوسط. غير أن هذه الإحالة لا تُقرأ بوصفها استدعاءً لمجد تجاري مضى، بقدر ما تكشف عن إدراكٍ لقيمة عُمان بوصفها فضاءً بحريًا وحضاريًا ظلّ منفتحًا على العالم، وقادرًا على بناء الصلات عبر الجغرافيا والثقافات والمصالح.

فالتاريخ، في العلاقات الدولية، لا يتحول تلقائيًا إلى رصيد استراتيجي لمجرد امتلاكه؛ إنما تتحدد قيمته بقدرة الدولة على توظيفه في بناء الثقة، وتعزيز حضورها، وتوسيع خياراتها. ومن هنا، فإن استحضار عُمان في الخطاب الملكي البريطاني لا يستوقفنا بسبب قِدم الصلة وحده، بل لأن هذا الامتداد التاريخي يُقدَّم باعتباره أساسًا لعلاقة قابلة للتطور، لا ذاكرةً تُستدعى للاحتفاء ثم تُترك خلف المشهد. إنها نقلة من تاريخ العلاقات إلى قدرتها على إنتاج فرص جديدة.

وفي هذا السياق، برزت الإشارة إلى السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، بما تمثّله تجربته من محطة مفصلية في تاريخ عُمان الحديث؛ فقد استطاع أن يقود تحولًا واسعًا في بناء الدولة ومؤسساتها، مع الحفاظ على خصوصيتها الحضارية وهويتها العُمانية. والأهم في استحضار هذه التجربة ليس استعادة سيرة قائد فحسب، بل الإشارة إلى معادلة سياسية دقيقة: أن التحديث لا يستلزم التفريط في الجذور، وأن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان في نماذجه، وأن الدولة تستطيع أن تطوّر أدواتها وتوسّع علاقاتها من دون أن تتنازل عن استقلال رؤيتها.

ومن هذه الزاوية، يتصل الإرث العُماني الممتد عبر الأزمان بالرؤية العُمانية المتجددة في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه؛ حيث تتواصل الثوابت العُمانية في السياسة الخارجية، فيما تتجدد أدوات العمل وأولوياته وفق متطلبات المرحلة. فاستمرارية الدولة لا تعني تجميد تجربتها عند لحظة تاريخية بعينها، بل قدرتها على صون المبادئ التي منحتها تميزها، مع تطوير الوسائل التي تضمن فاعليتها في بيئة دولية متغيرة.

ولعلّ من أكثر إشارات الخطاب الملكي دلالةً اختياره عبارات عربية، واستحضاره الحديث النبوي الشريف في وصف أهل عُمان، إلى جانب تضمين كلمته أبياتًا من الشعر العُماني. فقد أورد الحديث: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك»، وهو حديث رواه أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، رقم (2544). ولا تقف أهمية هذه الإشارة عند استدعاء نصّ ديني ذي مكانة في الوجدان العُماني؛ بل تمتد إلى ما تحمله من اعترافٍ بأن صورة عُمان في الذاكرة الثقافية ليست منفصلة عن صورتها في المجال الدبلوماسي. فالقيمة هنا أن تُستحضر عُمان بلغتها ورموزها وموروثها، لا بوصفها موضوعًا للحديث فحسب، بل بوصفها شريكًا له ثقافته وخصوصيته ومكانته.

وفي الدبلوماسية، قد تكون اللغة أبلغ من كثير من التصريحات؛ لأنها تلامس الذاكرة الجمعية وتمنح التواصل بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الحسابات الرسمية. وحين تُستحضر مفردات الثقافة العُمانية في مقام دولي رفيع، فإن ذلك يضيف إلى العلاقة رصيدًا من التقدير الرمزي، ويؤكد أن الصداقة الراسخة لا تُبنى على المصالح وحدها، وإن كانت المصالح شرطًا لاستمرارها، بل تحتاج كذلك إلى معرفة متبادلة واحترام للهوية واعتراف بما يميز الطرف الآخر.

ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من بوابة الرمزية وحدها تظل قاصرة عن إدراك مضمونه الأعمق. فالعلاقات العُمانية البريطانية تتحرك اليوم في محيط إقليمي ودولي تتشابك فيه اعتبارات الأمن البحري، واستقرار الممرات الحيوية، والتجارة والاستثمار، والتنافس على الموارد والتقنيات المتقدمة. وفي هذا الإطار، اكتسب الحديث عن الدور العُماني وما وصفه جلالة الملك بـ«الحياد البنّاء» أهمية تتجاوز الوصف السياسي؛ لأنه يضع أمام العالم نموذجًا لدولة ترى في الحوار أداةً لحماية المصالح، وفي التفاهم سبيلًا لتقليل كلفة الصراع، وفي استقلال القرار شرطًا للمساهمة في إيجاد مساحات مشتركة بين أطراف متباينة.

ويتكامل هذا المعنى مع ما أكده جلالة السلطان المعظّم، حفظه الله ورعاه، في كلمته عن اختيار عُمان مسارًا مستقلًا يقوم على الحوار والتفاهم والسلام. فالاستقلال في هذا السياق ليس انعزالًا عن العالم، كما أن الانفتاح لا يعني الارتهان إلى استقطاباته؛ بل هو قدرة الدولة على صياغة موقفها انطلاقًا من تقديرها لمصالحها ومسؤوليتها تجاه محيطها. ومن هنا تأتي دلالة العبارة التي أكد فيها جلالته أن الأمة الحكيمة تختار الإصغاء، وأن عُمان اختارت الإصغاء، فوجدت فيه قوة لا تستطيع الجيوش توفيرها.

إن هذه الرؤية لا تنتقص من أهمية القوة العسكرية أو متطلبات الأمن، وإنما تضعهما ضمن مفهوم أوسع للقوة؛ مفهوم لا يكتفي بامتلاك أدوات الردع، بل يشمل القدرة على منع التصعيد، وفتح قنوات التواصل، وبناء الثقة حين تضيق مساحات التفاهم. وفي منطقة تتكرر فيها الأزمات وتتسع فيها احتمالات سوء التقدير، تصبح الدبلوماسية الفاعلة أصلًا استراتيجيًا، لا مجرد خيار أخلاقي. وهنا تتجلى خصوصية الدور العُماني: ليس في الادعاء بامتلاك حلول جاهزة لكل خلاف، وإنما في المحافظة على مساحة يمكن فيها للأطراف أن تتحدث، وأن تختبر فرص التسوية، وأن تتراجع عن حافة المواجهة.

غير أن الرصيد السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل أثره ما لم يتحول إلى تعاون مؤسسي ومنافع ملموسة. ولهذا تبرز التجارة والاستثمارات والتعاون الدفاعي والتعليمي والتقني باعتبارها امتدادًا عمليًا للثقة المتبادلة. فالعلاقة التي نشأت عبر الملاحة والتبادل التجاري، ثم توسعت في مجالات الأمن والدبلوماسية، باتت مطالبة اليوم بتطوير أدواتها لتواكب التحولات في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتعليم والابتكار. وهكذا لا يعود التاريخ مجرد خلفية للعلاقة، بل يتحول إلى قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع المصالح المشتركة وتنويعها.

والأكثر دلالة في هذا المسار هو انتقال العلاقة من مستوى التواصل بين القيادات إلى ترسيخ الروابط بين المؤسسات والمجتمعات والأجيال. فقد رحّب جلالة السلطان المعظّم، حفظه الله ورعاه، بموافقة صاحب السمو الملكي الأمير ويليام، أمير ويلز، على الانضمام إلى صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، ولي العهد ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، راعيين للجمعية العُمانية البريطانية. كما استحضر جلالة الملك تشارلز الثالث الرعاية المشتركة لرحلة «جوهرة العرب» الاستكشافية، بوصفها مثالًا على استمرار الصلات بين الأجيال.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الإشارات بوصفها تفاصيل بروتوكولية عابرة؛ فالمعنى الأبعد يتمثل في انتقال الصداقة من كونها إرثًا تتناقله الذاكرة إلى علاقة تتولى أجيال جديدة مسؤولية تطويرها. إن حضور صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، ولي العهد ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إلى جانب صاحب السمو الملكي الأمير ويليام، أمير ويلز، في هذا المسار، يفتح المجال أمام صيغة أكثر استدامة للتعاون، تتصل فيها القيادة بالعمل المؤسسي، وتتقاطع فيها المبادرات الثقافية مع المصالح الاقتصادية، ويصبح الشباب جزءًا من صناعة العلاقة لا مجرد مستفيدين من نتائجها.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن العلاقات بين الدول لا تستمر بالاستناد إلى ذاكرة الماضي وحدها، مهما كانت غنية؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وشبكات تواصل تجددها، ومشروعات تمنحها معنى ملموسًا لدى الأجيال المقبلة. ومن ثمّ، فإن الرعاية المشتركة للجمعية العُمانية البريطانية، وما يرافقها من تعاون ثقافي ومعرفي، ليست إضافة هامشية إلى العلاقات الثنائية، وإنما إحدى الآليات التي تسمح بتحويل التفاهم السياسي إلى صلات اجتماعية وثقافية أكثر رسوخًا. فحين تتعدد قنوات العلاقة، تصبح أكثر قدرة على الاستمرار أمام تغير الظروف والأولويات.

ومن هذا المنطلق، تكتسب رؤية المستقبل التي حضرت في الخطابين أهمية خاصة. فالتحديات المرتبطة بالتنافس على الموارد، والتحولات التكنولوجية، والتغير المناخي، وأمن التجارة والملاحة، لا يمكن التعامل معها بمنطق المكاسب الآنية وحده. إنها تتطلب شراكات تجمع بين الابتكار والمسؤولية، وبين المصالح الوطنية وإدراك الترابط العالمي، وبين سرعة الإنجاز والقدرة على التفكير في أثر القرارات على الأجيال المقبلة. وقد أشار جلالة الملك إلى مسؤولية الدول عن تهيئة مستقبل أكثر قدرة على مواجهة هذه التحولات، فيما ربط جلالة السلطان المعظّم، حفظه الله ورعاه، نهج عُمان بقيم المسؤولية تجاه المجتمع والأجيال القادمة.

والفارق الجوهري هنا أن الشراكة المستقبلية لا تُقاس بكثرة الاتفاقات المعلنة، بل بقدرتها على إنتاج قيمة مضافة للطرفين: استثمار يخلق فرصًا، وتعاون معرفي يطوّر القدرات، وشراكات تعليمية تفتح آفاقًا أمام الشباب، وتنسيق يعزز الاستقرار ويحترم القانون الدولي. كما أن نجاحها يتوقف على قدرتها على تحقيق توازن واعٍ بين الوفاء للتاريخ والاستجابة لمتطلبات التحول؛ فالعلاقة التي لا تتجدد تتآكل، مهما كان ماضيها عريقًا، أما العلاقة التي تستثمر إرثها في بناء مصالح متبادلة فتكتسب أسبابًا جديدة للاستمرار.

ولعلّ ما يمنح مشهد وندسور دلالته الأعمق هو أنه جمع بين أكثر من مستوى في آنٍ واحد: ذاكرة بحرية وتجارية ضاربة في القدم، واعتراف متبادل بتجربة سياسية لها خصوصيتها، وتأكيد على قيمة الحوار في عالم مضطرب، ثم انتقال واضح نحو تعاون يتطلع إلى الاقتصاد والمعرفة والأجيال المقبلة. وهذه المستويات ليست منفصلة؛ إذ إن الثقة التاريخية تمنح العلاقة قاعدة، والاستقلال السياسي يحدد طبيعة المشاركة، والتعاون المؤسسي يحوّل التفاهم إلى نتائج، فيما يمنح الاستثمار في الأجيال العلاقة قابلية الاستمرار والتطور.

وفي المحصلة، فإن مكانة الدول لا تُختزل فيما ورثته من التاريخ، ولا فيما تمتلكه من أدوات القوة، بل في قدرتها على تحديد المعنى الذي تريد أن تمنحه لحضورها في العالم. وعُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه، تمضي في توسيع آفاق شراكاتها وتعزيز مسارات تنميتها، مستندةً إلى تجربة تتكامل فيها الهوية مع الحداثة، والاستقلال مع التعاون، والحكمة السياسية مع الطموح التنموي.

فليس التاريخ الذي يستحق الاحتفاء ما بقي محفوظًا في الذاكرة، بل ما ظل قادرًا على إلهام القرار وصناعة الفرص؛ وليست الصداقة التي تصمد أمام الزمن ما تكتفي بالوفاء للماضي، بل ما تجد في كل مرحلة سببًا جديدًا لتستحق المستقبل. ومن وندسور، لا تستعيد عُمان تاريخها لتقف عنده، بل تمضي به إلى أفق أرحب، حيث تتحول الثقة إلى شراكة، والشراكة إلى منجز، والحضور التاريخي إلى قدرة متجددة على الإسهام في صياغة عالم أكثر توازنًا واستقرارًا.

فالقيمة الأعمق للإرث ليست في ما يرويه عن أمجاد مضت، بل في ما يمنحه للحاضر من ثقة، وللمستقبل من إمكانات؛ وحين يلتقي هذا الإرث باستقلال القرار، ونضج الدبلوماسية، ورؤية تنموية تستثمر في الإنسان والمعرفة، يصبح التاريخ أكثر من ذاكرة، وتغدو الصداقة أكثر من علاقة، ويتحول الحضور الدولي من امتداد للماضي إلى فعل واعٍ في صناعة المستقبل.

وهكذا لا يعود التاريخ مجرد خلفية للعلاقة، بل يتحول إلى قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع المصالح المشتركة وتنويعها.

والأكثر دلالة في هذا المسار هو انتقال العلاقة من مستوى التواصل بين القيادات إلى ترسيخ الروابط بين المؤسسات والمجتمعات والأجيال. فقد رحّب جلالة السلطان المعظّم، حفظه الله ورعاه، بموافقة صاحب السمو الملكي الأمير ويليام، أمير ويلز، على الانضمام إلى صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، ولي العهد ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، راعيين للجمعية العُمانية البريطانية. كما استحضر جلالة الملك تشارلز الثالث الرعاية المشتركة لرحلة «جوهرة العرب» الاستكشافية، بوصفها مثالًا على استمرار الصلات بين الأجيال.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الإشارات بوصفها تفاصيل بروتوكولية عابرة؛ فالمعنى الأبعد يتمثل في انتقال الصداقة من كونها إرثًا تتناقله الذاكرة إلى علاقة تتولى أجيال جديدة مسؤولية تطويرها. إن حضور صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد، ولي العهد ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إلى جانب صاحب السمو الملكي الأمير ويليام، أمير ويلز، في هذا المسار، يفتح المجال أمام صيغة أكثر استدامة للتعاون، تتصل فيها القيادة بالعمل المؤسسي، وتتقاطع فيها المبادرات الثقافية مع المصالح الاقتصادية، ويصبح الشباب جزءًا من صناعة العلاقة لا مجرد مستفيدين من نتائجها.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن العلاقات بين الدول لا تستمر بالاستناد إلى ذاكرة الماضي وحدها، مهما كانت غنية؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وشبكات تواصل تجددها، ومشروعات تمنحها معنى ملموسًا لدى الأجيال المقبلة. ومن ثمّ، فإن الرعاية المشتركة للجمعية العُمانية البريطانية، وما يرافقها من تعاون ثقافي ومعرفي، ليست إضافة هامشية إلى العلاقات الثنائية، وإنما إحدى الآليات التي تسمح بتحويل التفاهم السياسي إلى صلات اجتماعية وثقافية أكثر رسوخًا. فحين تتعدد قنوات العلاقة، تصبح أكثر قدرة على الاستمرار أمام تغير الظروف والأولويات.

ومن هذا المنطلق، تكتسب رؤية المستقبل التي حضرت في الخطابين أهمية خاصة. فالتحديات المرتبطة بالتنافس على الموارد، والتحولات التكنولوجية، والتغير المناخي، وأمن التجارة والملاحة، لا يمكن التعامل معها بمنطق المكاسب الآنية وحده. إنها تتطلب شراكات تجمع بين الابتكار والمسؤولية، وبين المصالح الوطنية وإدراك الترابط العالمي، وبين سرعة الإنجاز والقدرة على التفكير في أثر القرارات على الأجيال المقبلة. وقد أشار جلالة الملك إلى مسؤولية الدول عن تهيئة مستقبل أكثر قدرة على مواجهة هذه التحولات، فيما ربط جلالة السلطان المعظّم، حفظه الله ورعاه، نهج عُمان بقيم المسؤولية تجاه المجتمع والأجيال القادمة.

والفارق الجوهري هنا أن الشراكة المستقبلية لا تُقاس بكثرة الاتفاقات المعلنة، بل بقدرتها على إنتاج قيمة مضافة للطرفين: استثمار يخلق فرصًا، وتعاون معرفي يطوّر القدرات، وشراكات تعليمية تفتح آفاقًا أمام الشباب، وتنسيق يعزز الاستقرار ويحترم القانون الدولي. كما أن نجاحها يتوقف على قدرتها على تحقيق توازن واعٍ بين الوفاء للتاريخ والاستجابة لمتطلبات التحول؛ فالعلاقة التي لا تتجدد تتآكل، مهما كان ماضيها عريقًا، أما العلاقة التي تستثمر إرثها في بناء مصالح متبادلة فتكتسب أسبابًا جديدة للاستمرار.

ولعلّ ما يمنح مشهد وندسور دلالته الأعمق هو أنه جمع بين أكثر من مستوى في آنٍ واحد: ذاكرة بحرية وتجارية ضاربة في القدم، واعتراف متبادل بتجربة سياسية لها خصوصيتها، وتأكيد على قيمة الحوار في عالم مضطرب، ثم انتقال واضح نحو تعاون يتطلع إلى الاقتصاد والمعرفة والأجيال المقبلة. وهذه المستويات ليست منفصلة؛ إذ إن الثقة التاريخية تمنح العلاقة قاعدة، والاستقلال السياسي يحدد طبيعة المشاركة، والتعاون المؤسسي يحوّل التفاهم إلى نتائج، فيما يمنح الاستثمار في الأجيال العلاقة قابلية الاستمرار والتطور.

وفي المحصلة، فإن مكانة الدول لا تُختزل فيما ورثته من التاريخ، ولا فيما تمتلكه من أدوات القوة، بل في قدرتها على تحديد المعنى الذي تريد أن تمنحه لحضورها في العالم. وعُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه، تمضي في توسيع آفاق شراكاتها وتعزيز مسارات تنميتها، مستندةً إلى تجربة تتكامل فيها الهوية مع الحداثة، والاستقلال مع التعاون، والحكمة السياسية مع الطموح التنموي.

فليس التاريخ الذي يستحق الاحتفاء ما بقي محفوظًا في الذاكرة، بل ما ظل قادرًا على إلهام القرار وصناعة الفرص؛ وليست الصداقة التي تصمد أمام الزمن ما تكتفي بالوفاء للماضي، بل ما تجد في كل مرحلة سببًا جديدًا لتستحق المستقبل. ومن وندسور، لا تستعيد عُمان تاريخها لتقف عنده، بل تمضي به إلى أفق أرحب، حيث تتحول الثقة إلى شراكة، والشراكة إلى منجز، والحضور التاريخي إلى قدرة متجددة على الإسهام في صياغة عالم أكثر توازنًا واستقرارًا.

فالقيمة الأعمق للإرث ليست في ما يرويه عن أمجاد مضت، بل في ما يمنحه للحاضر من ثقة، وللمستقبل من إمكانات؛ وحين يلتقي هذا الإرث باستقلال القرار، ونضج الدبلوماسية، ورؤية تنموية تستثمر في الإنسان والمعرفة، يصبح التاريخ أكثر من ذاكرة، وتغدو الصداقة أكثر من علاقة، ويتحول الحضور الدولي من امتداد للماضي إلى فعل واعٍ في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img