صلاة الكون

نشرت :


لولوة القلهاتي


حين أنظر إلى حلقات الطائفين والركع السجود منتظمة كعقود لؤلؤ منضود يطوق الكعبة المشرفة (زادها الله تمجيداً وتشريفاً) ، أتذكر تجربة المغناطيس حين كنا صغاراً في الإبتدائي؛ كنا نمسك بمجسم يشبه حدوة الحصان له نهايتان ملونتان باللون الأحمر، قال معلمنا أن هذا يسمى “مغناطيساً”،. وطلب منا توجيهه إلى كومة سوداء قال أن هذه الكومة التي تشبه الرمل تسمى “برادة الحديد”، وعندما وجهنا المغناطيس إلى تلك الكومة علت وجوهنا الصغيرة الدهشة وفغرنا أفواهنا، وعيوننا تتبسم نشوةً بالعلم الجديد. كنا نرى برادة الحديد تسعى راكضة نحو تلك الحدوة المسماة مغناطيساً. تلتصق بعضها ببعض تتزاحم وتتراكم على تلك المساحة الصغيرة وكأنها تحضن بعضها بعضاً، وهي في حالة التدافع السريع تلك. كان مشهداً غايةً في الإدهاش بالنسبة لنا. إن ذلك الإنتظام البشري حول الكعبة يشبه ذلك الإنجذاب نحو المغناطيس حيث تلك القلائد البشرية التي تطوق ذلك البناء بشكله المميز ولونه الأميز في زحام منظوم وتدافع محكوم. حال الدوران فوق صحن الحرم حول البيت العتيق، يبدو للناظر إليه وكأنه مشهد سماوي آسرٍ لفلك عُلوي تدور فيه النجوم والكواكب حول مركز نجمي مشدودة إليه في حركة دوران لا متناهيه لا تخرج عن مداره. إن المتأمل لهذه الحالة من الإنتظام في الصلاة في الحرم الشريف وفي صلاة الجماعة عموماً يجد أن النظام فعل في غاية اليسر وأن الناس تفعله بعفوية وسلاسة! والسؤال هنا: لماذا ينفرط عقد هذا النظام والإنتظام والتدافع الحسَنْ حالما يخرج المصلون من الصلاة ويدخلون في معترك الحياة؟! لم لا يكون يوم المؤمن كله صلاة! في نظامه صلاة، وفي تدافعه صلاة، وفي هدوئه وسكينته وهو يؤدي مهامه اليومية وحين يمارس حياته صلاة؟. فقط؛ أن يعيش يومه وحياته كأنه يؤدي صلاته مكبراً خاشعاً متوجها لله حامداً له، مستحضراً (إياك نعبد وإياك نستعين) في كل حركة وسكون..
كلما أوغل المتأمل في دراسة هذا الدين الحنيف وجده منظماً أيما تنظيم، محكمٌ أيما إحكام إلى درجة تدعو للإعجاب والدهشة. ولكن حينما يتأمل من الناحية الأخرى في حال المسلمين يتعجب غاية العجب من إنفراط عقدهم وسوء أحوالهم وقلة تدبرهم وتدبيرهم لحياتهم من خلال تعاليم دينهم وقرآنهم. وهذه لعمري معضلة عجز عنها كبار الفقهاء والحكماء والساسة وعلماء الإجتماع والإقتصاد المسلمون؛ أن يجدوا لها تفسيراً منطقياً ناهيك أن يجدوا لها حلاً في القريب المنظور.
لقد جرت تحت الجسر وفوقه ومن خلاله مياه كثيرة منذ محاولات الإمام محمد عبده في القرن التاسع عشر الميلادي، وكتاباته عن الإصلاح في المحاكم والحياة الإجتماعية والسياسية، ومن عاصره أو جاء بعده في العصر الحديث ممن حملوا هذا الهم من مفكري وعلماء الأمة أمثال جمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان والكواكبي صاحب طبائع الإستبداد ومن بعده وبعدهم علماء القارة الهندية من أمثال إقبال والمودودي والندوي مروراً وليس إنتهاءً بالمفكر الجزائري مالك بن نبي. لقد كانت محاولات جادة سواء جاءت من داخل الأزهر الشريف أو من خارجه لتغيير واقع الأمة المسلمة والمسلمين، ولكنها كلها لم تثمر ثماراً تغذي الأمة وتشبعها وتجعل منها زاداً لمستقبلها، بل كانت كصيحة في البرية ذهبت أدراج الرياح. لماذا؟! ربما لغياب الوحدة، وغياب الإرادات السياسية الجادة التي تتبنى أفكار ورؤى المفكرين فتعطيها قبلة الحياة وتطلقها في حركة علمية ونهضوية وفكرية، وتحديث مدعوم كلياً من قبل الحاكم المسلم.
وليست هذه دعوة لليأس من جدوى محاولات الإصلاح الفردية والجماعية؛ فلا ييأس من روح الله إلا القوم الظالمون، فلربما كان بعد هذا الليل البهيم صبحٌ تشرق شمسه بإذن الله فتحيا الأمة من جديد، وتصنع نهضة جديدة، وينسجم الإنسان المسلم والأرض والمخلوقات في صلاة كونية واحدة لعمران الأرض وفق منهج الله بالعلم والإيمان.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img