الحيرة في الكامل والوافي.. هل يكفي ترميم المكان لاستعادة حياته؟

نشرت :

ما وراء المشهد


د. إسماعيل جابر


أستاذ جامعي في التاريخ | مستشار تعليم وتدريب

ليست قيمة الأماكن التاريخية في أعمارها وحدها، بل في الحكايات التي تختزنها تفاصيلها، وفي قدرتها على إبقاء الصلة حية بين الأجيال وماضيها. وقد بدا لي هذا المعنى أكثر وضوحًا خلال زيارتي الثانية للحيرة، في بلدة الوافي بولاية الكامل والوافي. فقد قادتني ظروف العمل معلمًا للدراسات الاجتماعية في مدرسة قتيبة بن مسلم إلى هذه المنطقة، وهناك لفت زميلي في المدرسة الأستاذ راشد خليفة بن راشد الراسبي انتباهي إلى الحيرة، فكانت زيارتي الأولى بداية اكتشاف مكان يحمل من التاريخ ما يستحق التأمل، أما الثانية فدفعتني إلى النظر في سؤال آخر: كيف يمكن أن تستعيد الحيرة حياتها، إلى جانب استعادة ملامحها العمرانية؟
دخلت عبر «الدروازة»، البوابة القديمة، بالقرب من مسجد الحيرة القديم المعروف بالجامع ، ثم مضيت بين الممرات والبيوت الطينية والنخيل الممتد على جانبي الفلج. شيئًا فشيئًا، تتضح صورة المكان؛ فهذه ليست مجموعة مبانٍ متفرقة، وإنما نسيج عمراني تشكلت ملامحه حول الماء، وتداخلت فيه شؤون السكن والزراعة والعبادة والحماية والعلاقات الاجتماعية.
وتشير المعلومات المنشورة عن الحيرة إلى أن تاريخها يعود إلى نحو ستمائة عام، وأنها تطورت لتضم بيوتًا متعددة الطوابق، ومساجد، وحصونًا وأبراجًا، وأسواقًا ومدارس قرآنية وبساتين. وقد ارتبط نموها بفلج الوافي، الذي وفر الماء وأسهم في استقرار السكان ونشوء حياة عمرانية واجتماعية حوله.
ولعل ما يستوقف الزائر هو المشهد الذي يجمع الفلج والنخيل والبيوت في علاقة تتجاوز الجمال البصري. فالماء هنا ليس عنصرًا يزين المكان، بل أساس لنظام حياة تطلب معرفة دقيقة بإدارته وتوزيعه. وقد ارتبط تنظيم حصص الري في الحيرة نهارًا بالاستعانة بالظل وحركة الشمس، وليلًا بالاستدلال بالنجوم؛ وهي معرفة متوارثة تكشف جانبًا من خبرة الإنسان في التعامل مع البيئة وتنظيم مواردها.
وعند امتداد الفلج وصولًا إلى «الصاروج»، حيث يتوزع الماء لري النخيل، تتضح الصلة بين هذا النظام المائي وتفاصيل الحياة اليومية. وفي المقابل، يطل حصن البلد، إلى جانب الأبراج الأخرى، على أحياء الحيرة، مستحضرًا جانبًا من تاريخ المكان الذي اجتمعت فيه متطلبات الاستقرار والحماية مع متطلبات الزراعة والمعيشة.
وخلال زيارتي، لاحظت أعمال تهيئة وصيانة في أجزاء من الموقع، شملت مساحات من الطرق والممرات بين النخيل، مع وجود أعمال مستمرة في المنطقة. وهي جهود تسهم في إبراز المكان وتيسير زيارته. غير أن التجول بين البيوت القديمة يفتح بابًا آخر للتأمل، ويتصل بما يمكن أن ينتظر هذا النسيج العمراني من عناية في المرحلة المقبلة.

فكثير من البيوت القديمة ما زال بحاجة إلى الترميم والصيانة. وهذه البيوت ليست مباني منفصلة عن بقية المشهد؛ إنها جزء من ذاكرة الحيرة، وشواهد على طرائق البناء التقليدي، وعلى طبيعة الحياة التي تشكلت داخل أحيائها. ومن هنا، فإن المحافظة على المكان تكتسب معناها الأعمق حين تشمل البيوت وممراتها وعلاقتها بالفلج والنخيل، إلى جانب تهيئة المساحات العامة المحيطة بها.
ولا ينتقص هذا التساؤل من أهمية مشروع تطوير الحيرة، بل يفتح مجالًا للتفكير في ما يمكن أن يكمله. فكيف يمكن أن تتكامل تهيئة الموقع مع العناية بالبيوت القديمة، بما يراعي قيمتها التراثية وأوضاع ملاكها؟ ربما تتيح الشراكات بين الملاك والجهات المعنية وأصحاب الخبرة خيارات متنوعة للترميم، كما يمكن دراسة الاستفادة من بعض البيوت بعد تأهيلها في أنشطة ثقافية أو سياحية تتناسب مع طبيعتها. وليس المقصود أن تتحول كل البيوت إلى مرافق تجارية؛ فبعض قيمتها يكمن في بقائها شاهدًا على نمط الحياة الذي نشأت فيه.

وهناك جانب آخر يستحق التفكير، يتمثل في نقل المعرفة التي قامت عليها هذه العمارة. فقد تكون إقامة ورش أو برامج تدريبية في البناء الطيني وصيانة المباني التقليدية فرصة لتعريف الأجيال الجديدة بمواد البناء وأساليبه، والاستفادة من خبرات المتمرسين في هذا المجال. وبذلك لا تظل الحيرة مكانًا يزوره الناس للتعرف إلى الماضي فحسب، بل يمكن أن تصبح مساحة للتعلم ونقل المهارات اللازمة للمحافظة على التراث.
إن الحيرة، بما تضمه من فلج ونخيل ومساجد وبيوت وحصون وأبراج، تقدم صورة عن مجتمع نظم حياته وفق إمكانات بيئته، وطوّر خبراته في التعامل مع الماء والأرض والعمران. وهذه العلاقة بين عناصر المكان هي التي تمنحه خصوصيته، وتجعل الحفاظ عليه أكثر من مجرد صيانة مبانٍ قديمة.
فالمكان التاريخي لا يستعيد حياته بالترميم وحده، ولا تبقى ذاكرته حاضرة بمجرد تحسين مظهره؛ بل يحتاج أيضًا إلى عناية مستمرة ببيوته، وتوثيق لتاريخه، ونقل للمعارف المرتبطة به، وسبل واقعية تتيح للأجيال الجديدة أن تتعرف إليه وتفهم قيمته.
.
وحين غادرت الحيرة، ظل سؤال المرحلة المقبلة حاضرًا في ذهني: كيف يمكن أن يصبح تطوير المكان بدايةً لاستعادة حياته العمرانية، بحيث لا يرى الزائر شواهد الماضي فحسب، بل يفهم أيضًا كيف عاش الناس هنا، وكيف يمكن أن تظل ذاكرتهم حاضرة في المستقبل؟
إشارة لغوية: يرتبط اسم «الحيرة»، بمعنى المكان المحصّن أو المعقل. وتنسجم معالم الحيرة مع دلالات أخرى ترد في اللغة، تتصل بالخضرة والبستان والماء؛ وهي معانٍ يجد الزائر ما يذكّره بها في نخيلها وفلجها وبساتينها، حيث تتداخل عناصر الماء والخضرة والعمران في تشكيل هوية المكان .

قديما
حديثاً

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img