كاتب المقال:محمد بن عبدالله الراسبي.
زيارة جلالة السلطان هيثم، حفظه الله، إلى المملكة المتحدة: زيارة تتجاوز المراسم؛ فهي زيارة العظماء للعظماء، والتاريخ للتاريخ، والمجد للمجد. إنها زيارة السلام والسمت والهدوء، من عُمان الإصغاء والحكمة إلى بلدٍ يُقدّر هذه القيم ويُثمّنها، وقد تجلّى ذلك في حفاوة استقبال الملك تشارلز الثالث، الذي أبى إلا أن يجعل من هذا اللقاء مناسبةً تُبرز عراقة عُمان التاريخية، وعمق العلاقة بين البلدين، ومكانة السلطنة الطبيعية على المستويين الإقليمي والدولي.
عبّرت بريطانيا العظمى عن عظمة هذه العلاقة من خلال تفاصيل الاستقبال الملكي الرسمي المهيب، من العربات التاريخية التي تجرّها الخيول إلى قلعة ويندسور الملكية التاريخية، وصولًا إلى المتحف النابض بتاريخ عُمان وسمتها العُماني وذكرى سلاطينها. كل ذلك تعبير عن متانة العلاقة بين الدولتين وعمقها التاريخي؛ فمن اللبان العُماني الذي عُرف منذ أكثر من ألف عام، مرورًا باتفاقية الصداقة عام ١٨٠٠، وصولًا إلى اليوم، ظلت العلاقة وثيقة ومتصلة بلا انقطاع.
المصالح ليست اللغة الوحيدة التي تجمع الدولتين؛ فهناك قوة الكلمة والمكانة. وما بينهما ليس شيئًا عابرًا كعبور السفن، ولا علاقة وقتية أو استثنائية يطمسها الزمن، بل ارتباط راسخ جسّدته مختلف أوجه العلاقات بين الحكومتين والعائلتين الحاكمتين، داري الملوك والسلاطين. وبرغم بُعد المسافة، لم تحطّم الظروف الدولية هذا الارتباط، ويحرص الطرفان على أن يظل الجسر ثابتًا وممتدًا، بلا حدود زمنية أو جغرافية.
إن لقاء رمزي الإمبراطوريتين العُمانية والبريطانية، جلالة السلطان هيثم والملك تشارلز الثالث، ليس إلا تتويجًا لعلاقة تاريخية متجددة، وتأكيدًا على رسوخها. وهي صداقة لا تقتصر على السياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد والتعليم والطاقة والتكنولوجيا والبحوث والدفاع، إلى جانب التبادل التجاري والمشاريع العملاقة، التي تشكّل ركائز لتعزيز التعاون بين البلدين.
واستشهاد ملك بريطانيا بالحديث النبوي الشريف: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ»، يحمل رسالة استراتيجية موجّهة إلى العالم المفتون بالصراعات والحروب؛ مفادها أن عُمان، الدولة والسلطان والحكومة والشعب، دولة سلام ومبادئ وحياد إيجابي. فعُمان أكبر من أن تُجرّ إلى الحروب والفتن. وهي جديرة بأن تُعامل بوصفها دولة سلام وودّ وتكافؤ، وصديقًا للجميع، بما يعزّز فرص الأمن والسلام في العالم. لقد اختارت عُمان السلام حليفًا، ورمزًا وطنيًا، واستراتيجيةً، وإرثًا عُمانيًا خالصًا.
إن هذه الزيارة لا تقف عند حدود استحضار الماضي والاحتفاء بالحاضر، بل تمتد إلى استشراف مستقبل تتعاظم فيه مسؤولية الدول ذات المكانة الراسخة في الإسهام في استقرار العالم وصناعة فرص التقدم لشعوبها. فعُمان، بما تمتلكه من حكمة سياسية ومصداقية دولية، وبريطانيا، بما لها من ثقل دولي وخبرات واسعة.
سيستمر طريق العطاء والبناء والإنجاز بين الدولتين، مستندًا إلى أسس راسخة، ومستضيئًا برؤية بعيدة المدى، تنيرها الحكمة؛ ذلك السراج الذي تفتقده كثير من الدول في علاقاتها، في عالم تتلاطم فيه الصراعات وتشتد فيه الأزمات.
إنها الحكمة التي انتهجتها عُمان، وجعلتها ركيزةً في مسيرتها، وحرص سلاطين عُمان وملوك بريطانيا على ترسيخها في علاقات البلدين، ليواصل الشعبان مسيرتهما على نهجٍ من الحكمة والتعاون، نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وأستشهد بكلمة جلالة السلطان، بقوله: «وقد ارتأت سلطنة عُمان أن تُصغي، وفي ذلك الإصغاء أدركنا قوةً لا تُنال بالجيوش».


