مسقط : العمانية
تتشكّل تجربة الفنان التشكيلي ناصر بن سيف الحاتمي عند نقطة التقاء الفن بالتراث والبيئة وعلى امتداد أكثر من عقدين، تنقل بين الممارسة الفنية والعمل التربوي والإشرافي وتوثيق الصناعات الحرفية وتطوير منتجاتها، مؤمنًا بأن الموروث الثقافي ليس مجرد ذاكرة للماضي، بل مصدر متجدد للإبداع والابتكار وصناعة المستقبل.ويجمع الفنان التشكيلي في صناعته الفنية بين الخبرة الأكاديمية والممارسة التطبيقية في الفنون والصناعات الحرفية، متقنًا مجالات الفنون المختلفة مثل النحت والتصميم وتوثيق الحرف، ويستكشف في الخامات المحلية ذاكرة المكان وملامح الهوية الوطنية.وقال ناصر بن سيف الحاتمي، فنان تشكيلي، لوكالة الأنباء العمانية: "لم تبدأ علاقتي بالفن من حدود الورقة واللون فحسب، بل اتسعت منذ البدايات لتشمل التأمل في الطبيعة، واستكشاف الخامات المحيطة به، والبحث عن القيم الجمالية الكامنة في تفاصيلها. فقد جذبتني الصخور والجبال وجذوع الأشجار وملامس الأوراق، كما استوقفني الطين بما يتيحه من إمكانات تشكيلية وتعبيرية، ليصبح التجريب بالخامات البيئية أحد المرتكزات الأساسية في تجربتي الفنية".وأضاف: من خلال هذه العلاقة المبكرة مع البيئة، بدأت النظر إلى الخامة بوصفها أكثر من مادة قابلة للتشكيل؛ فهي تحمل خصائص بصرية وذاكرة مرتبطة بالمكان. وتشكّل لديّ اهتمام بتوظيف الخامات البيئية والعناصر الطبيعية في أعمال فنية تستند إلى الملاحظة والتجريب، وتبحث عن صياغات جديدة تجمع بين الحس الجمالي والارتباط بالبيئة المحلية.وتتخذ تجربة الفنان من التراث الثقافي العُماني مجالًا رئيسيًا للبحث والتجريب، خصوصًا فيما يتصل بالمفردات الزخرفية والشكلية والعناصر الجمالية التي تزخر بها الحرف التقليدية. ولا يقتصر اهتمامه على توثيق هذه المفردات أو إعادة إنتاجها بصورتها المألوفة، بل يتجه إلى دراسة خصائصها البصرية وتحليل بنيتها، واستكشاف إمكانات توظيفها في تصاميم وأعمال فنية ومنتجات حرفية تتناسب مع متطلبات العصر.ويقوم هذا التوجه على رؤية تعتبر التراث منظومة جمالية وثقافية قابلة للتجدد، وليس قالبًا ثابتًا ينبغي الاكتفاء بالمحافظة على مظهره الخارجي. فالمفردة الزخرفية، والخطوط المستوحاة من البيئة، والتكوينات المرتبطة بالممارسات الحرفية، يمكن أن تتحول إلى عناصر تصميمية جديدة عندما تخضع للدراسة والتحليل وإعادة الصياغة، مع الحفاظ على صلتها بهويتها الثقافية.ويلتقي الجانب التشكيلي في أعمال الفنان العُماني مع اهتمامه بتوثيق الحرف وتحليل عناصرها الجمالية وتطوير منتجاتها، في تجربة تتجاوز الفصل التقليدي بين الفنون التشكيلية والصناعات الحرفية. فالفن، في هذا السياق، ليس ممارسة جمالية مستقلة فحسب، وإنما أداة لفهم الموروث وإعادة تقديمه، وفتح آفاق جديدة أمام استثماره في المجالات الإبداعية.وبيّن الفنان التشكيلي أن التعامل مع الخامات المتنوعة يشكّل جانبًا بارزًا في تجربته الذي تنوعت بين النحت على الصخور والخشب، والتشكيل بالخزف والمعادن، والتصميم والأعمال الفنية التطبيقية. ويتيح له هذا التنوع الانتقال بين الخامة بوصفها عنصرًا طبيعيًا وسيطًا يحمل فكرة العمل ودلالاته.وذكر أن في الصخور والخشب، تبرز أهمية الملمس والبنية والكتلة، وما تتيحه من إمكانات في معالجة الشكل والفراغ. أما الخزف، فيفتح مجالًا للتعامل مع الطين ومرونته وتحولاته، في حين توفر المعادن وخامات البيئة الأخرى إمكانات إضافية للتشكيل وبناء العلاقات بين العناصر. مؤكدًا أن هذه الممارسات لا تنفصل عن اهتمامه بمكونات البيئة العمانية، إذ يسعى إلى استكشاف ما تحمله من إمكانات فنية، وتوظيفها في أعمال تعكس رؤيته الخاصة وعلاقته بالمكان.وأشار إلى أن مسيرته لم تقتصر على إنتاج الأعمال الفنية والمشاركة في المعارض، بل امتدت إلى العمل في المجال التربوي، حيث أسهم في تعليم الفنون وتطوير ممارساتها، ثم انتقل إلى مهام الإشراف الفني، وصولًا إلى عمله مشرفًا عامًا للفنون. وقد أتاحت له هذه التجربة الجمع بين الممارسة الفنية المباشرة والعمل التربوي والإشرافي، والاقتراب من احتياجات المعلمين ومجالات تطوير المهارات الفنية والتطبيقية. كما أسهمت مشاركته في بناء مناهج الفنون التشكيلية، وتنفيذ الورش والمشاغل الفنية، والتفاعل مع الفنانين في الملتقيات والمعارض.وأوضح أنه خلال الورش التدريبية، عمل على تقديم معارف تطبيقية في معالجة الخامات البيئية والتشكيل بها، إلى جانب مجالات الخزف والتصميم الجرافيكي والأشغال الفنية والمعادن والنسيج. وشملت موضوعات التدريب التشكيل بالنحاس والألومنيوم والخشب، والنحت على العظم وقشرة جوز الهند، وغيرها من الممارسات التي تستهدف إثراء خبرات معلمي الفنون والحرفيين. وتكشف هذه الجوانب عن مسار مهني يجمع بين إنتاج المعرفة الفنية ونقلها، وبين الممارسة الفردية والعمل المؤسسي. فالتجربة الفنية، بالنسبة إلى الفنان، تتسع قيمتها حين تتحول إلى معرفة قابلة للتداول والتطوير، وحين تسهم في بناء قدرات الآخرين وتعزيز حضور الفنون في البيئة التعليمية والثقافية.وأضاف أن العمل في مجال الصناعات الحرفية والتراث الحرفي يمثل أحد المحاور المهمة في مسيرته الفنية، ولا سيما خلال الفترة من 2009 إلى 2020، التي ارتبطت بمهمات تحديد خطط للتدريب والإنتاج الحرف وتوثيقها وتصميم خطوط إنتاج لمنتجات حرفية في مجالات متعددة. وشملت هذه المجالات الخزف، والنسيج القطني والصوفي والسجاد، والنحاس والفضة، والنحت على العظام، والتشكيل بقشرة جوز الهند، والخشب، والسعف والغضف، وغيرها من الخامات والممارسات المرتبطة بالحرف العمانية. ويجمع هذا العمل بين التوثيق والتحليل والتصميم؛ إذ تبدأ عملية تطوير المنتج الحرفي بفهم خصائص الحرفة وخاماتها وأساليب تنفيذها، ثم دراسة عناصرها الشكلية والزخرفية، وصولًا إلى اقتراح تصاميم وخطوط إنتاج تساعد على تقديم المنتج بصورة تتناسب للاستخدامات المعاصرة، مع المحافظة على صلته بالموروث الذي يستند إليه.وأكد أن أهمية هذا المسار تبرز في كونه يربط الحرفة بالتصميم والمهارات الفنية، ويمنح المنتج التقليدي فرصًا جديدة للحضور في الأسواق ومجالات الاستخدام المختلفة. كما يفتح المجال أمام الاستفادة من الخبرة الفنية في تحسين الشكل والوظيفة، وتطوير القيمة الجمالية للمنتج، وتعزيز فرص استدامة الممارسات الحرفية.وإلى جانب اهتمامه بالفنون التشكيلية والحرف، شملت خبرته تصميم وتنفيذ ديكورات المسارح والديكورات الداخلية والأثاث للمساجد والمجالس العامة والمنازل، إلى جانب تصميم خرائط معمارية والإشراف على تنفيذها. ويعكس هذا التنوع تداخل المعارف التشكيلية والتصميمية في ممارسته، وقدرته على توظيف الحس البصري في مجالات تتجاوز إطار العمل الفني التقليدي.وحافظ الفنان التشكيلي على حضوره في المعارض والملتقيات والفعاليات الفنية، وشملت مشاركاته بمعارض الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، ومعرض «نفائس في حب الوطن» الذي نظمته الجمعية عام 2023، والمعرض الفني في الكلية العلمية للتصميم عام 2024، إلى جانب المشاركة في معرض الفنون التشكيلية المصاحب لمعرض مسقط الدولي للكتاب عام 2024م.كما شارك في فعاليات فنية خارج سلطنة عُمان، من بينها اليوم العالمي للخشب في كمبوديا عام 2016، وفي النمسا عام 2017، ضمن مجال النحت على الخشب. وشملت مشاركاته كذلك منتدى ومعرض التربية الفنية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وملتقى تصميم مسقط في الكلية العلمية للتصميم، وملتقيات التشكيل بالحديد والأسلاك في مرسم الشباب.وتتصل مختلف محطات تجربة الفنان التشكيلي بخيط جامع يتمثل في البحث عن علاقة متجددة بين الفن والهوية الوطنية. فالتراث في تجربته ليس مادة منفصلة عن الحاضر، والبيئة ليست مجرد مصدر للخامات، والتصميم ليس نشاطًا وظيفيًا بمعزل عن الثقافة؛ بل تتكامل هذه العناصر في رؤية تستكشف إمكانات التعبير عن الخصوصية العمانية بلغة فنية معاصرة وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من قدرتها على الجمع بين صون الموروث وتطويره. فتوثيق الحرفة يحفظ جانبًا من المعرفة المتوارثة، وتحليل الزخارف يكشف عن أنظمتها الجمالية، والتصميم يفتح أمامها إمكانات جديدة، فيما تتيح الممارسة الفنية تحويل الخامات والرموز إلى أعمال تحمل دلالات تتصل بالمكان والذاكرة والإنسان. كما أن انتقال الخبرة بين التعليم والفن والحرف يوسع دائرة الاستفادة منها، ويتيح ربط المهارات الإبداعية بالمعرفة التطبيقية، بما يدعم حضور الصناعات الحرفية في المشهد الثقافي والاقتصادي.وعلى الرغم من تعدد المسؤوليات والخبرات التي اكتسبها الفنان التشكيلي خلال مسيرته، يظل الشغف بالممارسة الفنية حاضرًا في توجهاته وطموحاته. فعمله في توثيق الحرف وتطوير منتجاتها لم يبعده عن الفن، بل أضاف إلى تجربته مجالات جديدة للتأمل والبحث والتجريب، وفتح أمامه فرصًا لاستكشاف العلاقة بين الشكل والخامة والوظيفة والهوية وتتيح هذه الخبرة المتراكمة له مواصلة التفكير في مشروعات فنية وتصميمية تستلهم التراث العُماني ومكونات البيئة المحلية، وتعيد قراءتها من منظور معاصر. كما تفتح المجال أمام مزيد من التقاطع بين النحت والخزف والتصميم والحرف، في تجربة تستند إلى المعرفة الأكاديمية والممارسة التطبيقية، وتستفيد من التفاعل مع الفنانين والحرفيين والمؤسسات الثقافية.جدير بالذكر أن الفنان التشكيلي ناصر الحاتمي يواصل مساره بين الفن والحرفة والتصميم، واضعًا نصب عينيه إمكانات الموروث العُماني وقدرته على التجدد، مؤكدًا أن الهوية الفنية ليست صورة ثابتة من الماضي، بل مشروع إبداعي يتطور بالبحث والتجريب، ويكتسب معناه من قدرته على التعبير عن المكان والإنسان ومواكبة تحولات العصر.


