محمد بن زاهر العبري
مدير الفعاليات الاجتماعية والثقافية
في منصة عيون … يكتب ✍️
حين يصبح الإعلام مسؤولية وطنية.. الشلل الدماغي ليس قضية أسرة وحدها
بقلم: محمد العبري
ليست كل الفعاليات التي تُقام في المجتمع مجرد مناسبات تنتهي بانتهاء كلمات المتحدثين ومغادرة الحضور؛ فبعضها يحمل رسالة تتجاوز المكان والزمان، ويضع المجتمع أمام مسؤولياته الحقيقية. ومن هنا تأتي أهمية منتدى عُمان للشلل الدماغي عند الأطفال، الذي نظمته صحيفة ومنصة عيون الإلكترونية بالتعاون مع الجهات الشريكة، برعاية كريمة من محافظ الداخلية.
إن الحديث عن الشلل الدماغي لا ينبغي أن يبقى حبيس التقارير الطبية أو معاناة الأسر خلف أبواب المنازل، بل يجب أن يتحول إلى قضية وعي مجتمعي، ومسؤولية مؤسسية، وشراكة وطنية تضمن للأطفال وأسرهم مزيدًا من الاهتمام والتمكين والاندماج في المجتمع.
فالقضية ليست في الإعاقة وحدها، بل في نظرة المجتمع إليها، وفي مقدار ما نقدمه من دعم وفرص واحتواء.
ومن واقع مسؤوليتي مديرًا للفعاليات الثقافية والاجتماعية في منصة عيون الإلكترونية، أؤمن بأن الإعلام لا يُقاس تأثيره بعدد الأخبار التي ينشرها، ولا بعدد المشاهدات التي يحققها، وإنما بقدرته على تحويل القضايا المسكوت عنها إلى أولويات مجتمعية، وتحريك النقاش العام نحو حلول عملية، وإيصال صوت الفئات التي تحتاج إلى من يمنح قضاياها مساحة عادلة في المشهد الإعلامي.
لقد جاء تنظيم هذا المنتدى انطلاقًا من إيمان بأن خدمة المجتمع ليست شعارًا يُرفع، وإنما ممارسة تتطلب المبادرة والتخطيط والشراكة والاستمرارية. فحين تتعاون المؤسسات الإعلامية مع الجهات المختصة والجمعيات المعنية، يصبح بالإمكان فتح مساحات للحوار، والاستماع إلى الأسر، ومناقشة التحديات، والبحث عن فرص حقيقية لتحسين جودة الحياة للأطفال المصابين بالشلل الدماغي.
لكن السؤال الأهم: ماذا بعد المنتدى؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لأي فعالية مجتمعية. فنجاح المنتدى لا ينبغي أن يتوقف عند الحضور والتنظيم والتغطية الإعلامية، بل يجب أن يمتد إلى متابعة التوصيات، وتحديد الأولويات، وتعزيز التوعية، وتشجيع المبادرات التي تلامس احتياجات الأطفال وأسرهم. فالأسر لا تحتاج إلى التعاطف وحده، بل تحتاج أيضًا إلى المعرفة، والإرشاد، والوصول إلى الخدمات، والشعور بأن المجتمع يقف إلى جانبها.
ومن هنا تبرز أهمية المسؤولية المجتمعية بوصفها التزامًا مشتركًا بين المؤسسات الحكومية والخاصة، والجمعيات الأهلية، والمؤسسات الإعلامية، وأفراد المجتمع. فكل جهة تستطيع أن تؤدي دورًا، وكل مبادرة صادقة يمكن أن تصنع فرقًا، شريطة أن تتكامل الجهود وألا تظل المسؤولية محصورة في جهة واحدة.
كما أن تعزيز الوعي يتطلب تصحيح المفاهيم الخاطئة، ومحاربة الوصمة الاجتماعية، والتعامل مع الأطفال وأسرهم باحترام يحفظ كرامتهم وحقوقهم، بعيدًا عن الشفقة التي تختزل الإنسان في إعاقته، أو الخطاب العاطفي الذي يستحضر المعاناة دون أن يقدم طريقًا للحل.
إن بناء مجتمع أكثر وعيًا لا يتحقق بالمؤتمرات وحدها، بل باستمرار الرسالة في المدارس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الصحية والاجتماعية، والمنصات الرقمية. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الإعلام المسؤول؛ فهو لا يكتفي بنقل الحدث، بل يتابع أثره، ويطرح الأسئلة الضرورية، ويمنح أصحاب القضية مساحة للتعبير عن احتياجاتهم وتطلعاتهم.
وإننا في منصة عيون الإلكترونية ننظر إلى هذه المبادرات باعتبارها جزءًا من دور إعلامي واجتماعي أوسع، يقوم على إيصال صوت الأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى، وتسليط الضوء على قضاياهم، وتعزيز حضورها في النقاش المجتمعي. وهي مسؤولية تستدعي منا الاستمرار في العمل، وتطوير المبادرات، والبناء على ما تحقق من خلال الشراكات والتوصيات.
إن القيمة الحقيقية لأي منتدى لا تكمن في عدد الجلسات التي عُقدت، وإنما في الأثر الذي يتركه، والقرارات التي يساعد على بلورتها، والوعي الذي يسهم في بنائه، والاحتياجات التي ينجح في إيصالها إلى أصحاب القرار.
فالشلل الدماغي ليس قضية أسرة وحدها، وليس مسؤولية مؤسسة بعينها؛ إنه قضية إنسانية ومجتمعية تستحق أن تتضافر من أجلها الجهود.
وإذا كان المنتدى قد فتح باب الحوار، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تفتح باب العمل؛ حتى لا تبقى التوصيات حبرًا على ورق، وحتى تتحول المسؤولية المجتمعية من مفهوم نتحدث عنه إلى أثر يلمسه الأطفال وأسرهم في حياتهم اليومية.
فالإعلام الذي ينحاز للإنسان لا يكتفي بأن يجعل قضيته مسموعة، بل يعمل على أن تصبح حقوقه واحتياجاته جزءًا من أولويات المجتمع.
وهنا فقط يمكننا القول إن الفعالية أدت رسالتها، وإن الإعلام مارس دوره الوطني، وإن المسؤولية المجتمعية تجاوزت الكلمات إلى الفعل.









