رحلةُ الإنسان بين ما تمنّاه، وما عاشه، وما تعلّمه متأخراً
بقلم: حاتم الكثيري
ليست أعمارنا تلك السنوات التي نعدّها على أصابع الزمن، ولا أعياد الميلاد التي نطفئ فيها الشموع، ولا الصور التي نحتفظ بها في خزائن الذاكرة؛ أعمارنا الحقيقية هي ما تركته الحياة في أرواحنا من ندوبٍ لا تُرى، وحكمةٍ لم تأتِ إلا بعد طول تجربة، وفرحٍ مرّ سريعاً لكنه ظلّ مضيئاً في أعماقنا، وفقدٍ غيّر ملامحنا الداخلية إلى الأبد.
إننا، في حقيقة الأمر، لا نعيش عمراً واحداً، بل أعماراً متعاقبة داخل العمر الواحد؛ نولد مرةً حين نفتح أعيننا على الدنيا، ونولد ثانيةً حين نكتشف ذواتنا، وثالثةً حين تصفعنا الحياة بحقيقةٍ لم نكن مستعدين لها، ثم نولد مراتٍ أخرى كلما نهضنا من انكسار، أو تصالحنا مع قدر، أو أدركنا أن بعض ما بكينا عليه كان يحمل في طيّاته خلاصنا مما لم نكن نراه.
في البدايات، نظنّ أن الحياة طريقٌ مستقيم، وأن المستقبل مساحةٌ واسعة لتحقيق الأمنيات، وأن الذين نحبهم سيبقون، وأن الذين نثق بهم لن يخذلونا، وأن الأشياء الجميلة لا بد أن تستقر في أيدينا ما دمنا قد أحببناها بصدق. نمضي بخفّة البدايات، نحمل أحلامنا كما يحمل المسافر زاده، ونحسب أن الإرادة وحدها تكفي لفتح الأبواب، وأن الطريق الذي رسمناه في مخيلتنا هو الطريق الذي ستأخذنا إليه الأقدار.
لكن الحياة، وهي المعلم الذي لا يوزّع دروسه وفق رغباتنا، سرعان ما تكشف لنا أن بعض الأبواب لا تُفتح مهما ألححنا، وأن بعض الوجوه لا تشبه ما أظهرته لنا أول اللقاءات، وأن بعض الأمنيات لو تحققت في أوانها لربما أفسدت علينا ما هو أجمل منها. وهنا تبدأ رحلة النضج؛ حين نتوقف عن مطالبة الحياة بأن تكون كما نشتهي، ونشرع في تعلّم كيف نكون أقوى، وأهدأ، وأكثر اتساعاً لاحتمالاتها.
وما بين الطموح والواقع، تتشكل سيرة الإنسان الحقيقية. هناك سنواتٌ يركض فيها خلف مستقبله، وسنواتٌ يركض فيها وراء استعادة نفسه، وأيامٌ يقضيها في بناء ما يريد، وأيامٌ أخرى يحاول فيها ترميم ما هدمته الظروف. وقد يملك المرء في مطلع عمره وفرةً من الأحلام وقلةً من الخبرة، ثم تمضي به الأعوام حتى تصبح خبرته أوسع من أحلامه، ويصبح أكثر إدراكاً لما يستحق السعي، وما يستحق التجاوز، وما لا يستحق من الأساس أن يمنحه شيئاً من راحة باله.
ولعلّ المفارقة الأعمق في رحلة العمر أننا نقضي النصف الأول منه في محاولة إثبات أنفسنا للآخرين، ثم نقضي النصف الآخر في اكتشاف أن أعظم انتصاراتنا لم تكن في إقناع الناس بقيمتنا، بل في التحرر من الحاجة إلى إقناعهم بها.
فكم من إنسانٍ استنزف أجمل سنواته في مطاردة رضا الآخرين، وكم من قلبٍ أرجأ سعادته إلى أن تتحقق شروطٌ لا تنتهي، وكم من شخصٍ أضاع طمأنينته وهو يحاول أن يبدو قوياً أمام الجميع، حتى نسي أن القوة ليست في إخفاء التعب، بل في امتلاك الشجاعة للاعتراف به، ثم مواصلة الطريق دون أن يسمح له بأن يسرق منه إنسانيته.
إن العمر لا يُقاس بما ننجزه فحسب، بل بما نتجاوزه أيضاً. فثمة انتصارات لا تصفق لها الجماهير، لكنها تغيّر مصير صاحبها؛ كأن تتجاوز خيبةً دون أن تتحول إلى إنسانٍ حاقد، أو تفقد عزيزاً دون أن تفقد إيمانك بالحياة، أو تتعرض للظلم دون أن تجعل الظلم فلسفتك في التعامل مع الناس، أو تمرّ بسنواتٍ قاسية ثم تخرج منها محتفظاً بقدرتك على الرحمة.
تلك هي الانتصارات النبيلة التي لا تُكتب في السير الذاتية، ولا تُعلّق على الجدران، ولا تحتاج إلى شهود؛ لأنها تُنجز في أعمق مواضع الروح، حيث يقف الإنسان أمام نفسه عارياً من الألقاب والمظاهر، فلا ينفعه تصفيق، ولا يخدعه مديح، ولا يستطيع أن يختبئ خلف صورةٍ صنعها للآخرين.
وفي رحلة الأعمار، لا بد من الأفراح والأتراح؛ فالحياة التي لا تعرف الحزن لا تستطيع أن تفهم الفرح على حقيقته، كما أن السعادة التي لم تختبر غياب الأشياء لا تدرك قيمة حضورها.
نفرح بقدوم إنسانٍ إلى حياتنا، ثم نتعلم أن بعض اللقاءات مؤقتة مهما تمنينا لها البقاء. ونحزن على أبوابٍ أُغلقت، ثم نكتشف بعد حين أن وراءها طرقاً لم نكن لنراها لو ظللنا واقفين أمامها. نبكي حين نفقد من نحب، لا لأن الموت أخذ أجسادهم فحسب، بل لأنه أخذ معه تفاصيل صغيرة كنا نظنها عادية؛ صوتاً مألوفاً، ونداءً عابراً، ومجلساً كان يكتمل بوجودهم، وطمأنينةً لم نعرف قيمتها إلا حين غابت.
وهنا تبلغ الفلسفة الإنسانية إحدى أكثر حقائقها إيلاماً: إننا كثيراً ما لا ندرك القيمة الكاملة للأشياء إلا بعد أن تصبح جزءاً من الذاكرة.
كم من صباحٍ عاديٍّ تمنينا لو عاد، وكم من مجلسٍ بسيطٍ اكتشفنا بعد رحيل أصحابه أنه كان من أثمن لحظات العمر، وكم من يدٍ امتدت إلينا فلم ندرك يومها أنها كانت تسند فينا شيئاً أكبر مما نتصور!
ولذلك، فإن الحكمة ليست أن نتوقف عن الحب خوفاً من الفقد، ولا أن نعتزل الناس اتقاءً للخذلان، ولا أن نغلق أبواب قلوبنا لأن بعض العابرين لم يحسنوا البقاء؛ الحكمة أن نعيش بصدق، وأن نمنح الأشياء الجميلة حقها من الامتنان، وأن نحب دون أن نفقد اتزاننا، وأن نتعلق دون أن ننسى أن الدنيا دار تحوّل، وأن كل اجتماعٍ فيها تحيط به احتمالات الفراق.
وقد أحسن الشاعر حين قال:
«وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غلابا»
فالحياة لا تمنحنا كل ما نريد، لكنها تمنحنا، في كثير من الأحيان، ما نستطيع أن ننمو به، وإن جاء النمو في هيئة تجربةٍ مؤلمة. وليس معنى ذلك أن الألم جميلٌ في ذاته، أو أن الخسارة تستحق الاحتفاء، وإنما المعنى أن الإنسان قادرٌ على استخراج الحكمة من التجربة، وأن يحوّل ما تعرّض له من قسوة إلى بصيرةٍ تحميه من تكرار الخطأ، لا إلى مرارةٍ تعاقب بها نفسه والآخرين.
وما أكثر ما تُعلّمنا الأيام أن الناس ليسوا جميعاً كما ظننا، وأن القرب لا يعني بالضرورة الوفاء، وأن طول المعرفة لا يضمن عمق المحبة، وأن المواقف الصغيرة قد تكشف من الحقائق ما تعجز سنواتٌ من المجاملة عن كشفه. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول النضج إلى سوء ظنٍّ شامل، ولا أن تصبح التجارب ذريعةً لإدانة البشر جميعاً؛ فكما أن في الحياة من يخذل، فيها من يجبر الخاطر، وكما أن فيها من يرحل عند الحاجة، فيها من يبقى حين يصبح البقاء أثمن من الكلام.
إن الرقي الحقيقي ليس أن نتقن قراءة عيوب الناس فحسب، بل أن نعرف كيف نضع كل إنسانٍ في موضعه الصحيح، دون أن نمنحه أكثر مما يستحق، أو نظلمه بما لا يستحق. أن نكون طيبين دون سذاجة، أقوياء دون قسوة، متسامحين دون التفريط في كرامتنا، ومتواضعين دون أن نسمح لأحدٍ أن يجعل من تواضعنا انتقاصاً من قدرنا.
ولعلّ من أكبر مكاسب العمر أن نتعلم الفرق بين ما يؤلمنا وما يهزمنا؛ فليس كل ألمٍ هزيمة، وليس كل خسارةٍ نهاية، وليس كل تأخرٍ حرماناً. أحياناً نخرج من التجارب أقل اندفاعاً، لكن أكثر بصيرة، وأقل كلاماً، لكن أكثر فهماً، وأقل تعلقاً بالمظاهر، لكن أشد تمسكاً بالجواهر.
وهكذا، شيئاً فشيئاً، تتغير مقاييسنا. ما كان يبهرنا بالأمس قد يصبح تفصيلاً عابراً، وما كنا نعدّه أمراً بسيطاً قد يغدو أمنيةً عظيمة. نكتشف أن الصحة نعمةٌ لا يوازيها كثيرٌ من المكاسب، وأن راحة البال ثروةٌ لا تظهر في الحسابات المصرفية، وأن الأسرة التي تحتوينا، والصديق الذي يصدق معنا، والبيت الذي نعود إليه مطمئنين، أركانٌ من السعادة لا تعوضها أضواء الشهرة ولا وفرة الممتلكات.
وفي مرحلةٍ ما، ندرك أن الرفاه الحقيقي ليس في امتلاك كل شيء، بل في ألا يفقد الإنسان نفسه وهو يسعى إلى امتلاك الأشياء. وأن الثراء ليس كثرة ما نضعه في أيدينا فقط، بل أيضاً قلة ما يثقل قلوبنا من حسدٍ وضغينةٍ وندم. وأن المكانة الأرفع ليست تلك التي تفرض على الناس احترامنا، بل التي تجعلهم يجدون في أخلاقنا ما يستحق الاحترام.
وليس من النضج أن نعيش أسرى الماضي، نعيد محاكمة مواقف انتهت، ونستنزف أيامنا في أسئلةٍ لا تملك إجاباتٍ نافعة؛ كما أنه ليس من الحكمة أن نؤجل الحياة إلى مستقبلٍ لم يصل بعد. إن الإنسان الذي يظل معلقاً بين ندم الأمس وقلق الغد يفوته الشيء الوحيد الذي يملكه بالفعل: هذه اللحظة التي تتشكل فيها حياته وهو لا ينتبه.
فالأمس ذاكرة، والغد احتمال، أما اليوم فهو المساحة التي نستطيع أن نزرع فيها كلمةً طيبة، ونصلح فيها علاقةً تستحق الإصلاح، ونعتذر فيها ممن أخطأنا في حقه، ونصفح فيها عن أنفسنا حين نكون قد بذلنا ما نستطيع، ونتوقف فيها عن مطاردة ما لا يريد البقاء.
وفي هذا المعنى، تلوح حكمة ماركوس أوريليوس، الفيلسوف الرواقي، الذي جعل الانتباه إلى ما يقع ضمن قدرتنا، والتسليم بما يخرج عنها، من ركائز الحياة المتزنة. فنحن لا نملك أن نعيد عقارب الزمن، ولا أن نضمن وفاء الجميع، ولا أن نمنع كل خسارة، لكننا نملك، إلى حدٍّ معتبر، أن نختار موقفنا من الأحداث، وأن نضبط استجابتنا، وأن نحفظ لأنفسنا حقها في السكينة وسط اضطراب العالم.
وليس التسليم استسلاماً، بل إدراكٌ ناضج للحدود الفاصلة بين السعي المشروع والرغبة المستحيلة في السيطرة على كل شيء. فهناك ما يستحق أن نقاتل من أجله، وهناك ما يكون الانسحاب منه ضرباً من الحكمة، وهناك معارك لا نربحها بالانتصار على الآخرين، بل بعدم السماح لها بأن تستولي على سلامنا الداخلي.
وإذا كان للعمر من خلاصةٍ تستحق أن تُكتب في سطور، فهي أن الإنسان لا ينبغي أن ينتظر اقتراب النهاية حتى يعرف كيف يعيش. لا تؤجل زيارةً تستطيع القيام بها، ولا كلمة امتنانٍ تستطيع قولها، ولا صلة رحمٍ تستطيع وصلها، ولا اعتذاراً يعيد إلى قلبٍ طمأنينته. لا تجعل كبرياءك أعلى من محبتك، ولا تجعل انشغالك بالرزق يحرمك لذة العيش، ولا تجعل انتظار اللحظة المثالية سبباً في ضياع اللحظات الممكنة.
فالحياة لا تُمنح لنا دفعةً واحدة، بل تتسرب إلينا في تفاصيل تبدو صغيرة: في ضحكة طفل، ودعوة أم، ورضا أب، ورفقة زوجةٍ تحفظ الود، وصديقٍ يفي حين تتبدل المصالح، وفي صباحٍ جديدٍ نستيقظ فيه وما زال أمامنا متسعٌ لفعل الخير.
وما أجمل أن يبلغ المرء من العمر مرحلةً لا يعود فيها معنياً بأن يكون الأول في كل سباق، ولا الأعلى صوتاً في كل مجلس، ولا الأكثر حضوراً في كل مشهد؛ بل أن يكون أكثر تصالحاً مع ذاته، وأوفى لمن يحب، وأعدل في أحكامه، وأخفَّ حملاً من الأحقاد، وأغنى قلباً بالامتنان.
عندها يفهم أن الهدوء ليس ضعفاً، وأن الصمت ليس عجزاً، وأن التغاضي ليس دائماً تنازلاً، وأن الكرامة لا تحتاج إلى إعلانٍ مستمر، وأن بعض الردود الراقية هي أن نمضي في طريقنا دون أن نسمح لما لا يشبهنا بأن يغيّر طبيعتنا.
ثم تأتي الأعوام المتقدمة، لا لتخبرنا بأن الحياة انتهت، بل لتسألنا عمّا فعلناه بما أُتيح لنا منها. هل أحببنا بما يكفي؟ هل أنصفنا حين قدرنا؟ هل جبرنا خاطراً كان ينتظر منا كلمة؟ هل تركنا وراءنا أثراً طيباً يجعل غيابنا أقل قسوةً على من عرفونا؟ وهل استطعنا أن نختلف مع الناس دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نمتلك القوة دون أن نفقد الرحمة؟
إن قيمة الإنسان في نهاية المطاف ليست في عدد السنوات التي عاشها، بل في نوع الأثر الذي تركه خلالها. فثمة من يعبر الدنيا طويلاً ولا يترك في ذاكرة الناس إلا اسماً، وثمة من تكون سنواته أقل عدداً، لكنه يترك من المواقف والوفاء والإحسان ما يجعل حضوره ممتداً بعد رحيله.
وكأن العمر كتابٌ لا نملك أن نختار عدد صفحاته، لكننا نملك أن نشارك في صياغة بعض ما يُكتب فيها. قد تملي الظروف فصولاً لم نرغب فيها، وقد تسقط من أيدينا أوراقٌ كنا نعدّها أساسية، وقد تأتي النهايات على غير ما خططنا؛ غير أن ذلك كله لا يسلبنا مسؤولية أن نجعل ما بقي من الكتاب جديراً بأن يُقرأ.
وهنا تعود بنا الذاكرة إلى بيت المتنبي:
«ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يُدركهُ
تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ»
ليس البيت دعوةً إلى اليأس، بل تذكيرٌ بأن الحياة أوسع من إرادتنا، وأن الحكمة لا تقتضي أن نتخلى عن أحلامنا، وإنما أن نمتلك المرونة التي تجعلنا نعيد رسم الطريق حين تتغير الرياح، دون أن نفقد البوصلة التي تهدينا إلى قيمنا ومبادئنا.
فكم من أمنيةٍ لم تتحقق، لكنها قادتنا إلى ما هو أنسب، وكم من تأخيرٍ علّمنا الصبر، وكم من تجربةٍ كشفت لنا حقيقة أنفسنا، وكم من مرحلةٍ ظننا أننا لن نتجاوزها، ثم أصبحنا نستعيدها بامتنانٍ خافت، لأننا خرجنا منها أكثر وعياً وأقل انخداعاً ببريق الأشياء.
ومع ذلك، يبقى في النفس حنينٌ لا يشيخ؛ حنينٌ إلى أيامٍ مضت، وإلى وجوهٍ غابت، وإلى أنفسنا القديمة قبل أن تثقلها التجارب. نشتاق أحياناً إلى عفويتنا الأولى، إلى أحلامنا التي كانت تتسع للعالم كله، إلى فرحنا الذي لم يكن يحتاج إلى أسبابٍ كبيرة، وإلى تلك الطمأنينة التي كانت تجعل الغد يبدو وعداً جميلاً لا عبئاً مؤجلاً.
لكن النضج لا يعني أن نخاصم ذلك الإنسان القديم الذي كنا عليه؛ بل أن نتصالح معه، وأن نشكره لأنه بدأ الطريق بما امتلكه من براءة، وأن نعذر اندفاعه، ونتفهم أخطاءه، ونمنحه حقه في أن يكون قد تعلّم متأخراً بعض ما لم يكن ممكناً أن يعرفه مبكراً.
فليس من العدل أن نحاكم أنفسنا القديمة بمعرفةٍ لم نكتسبها إلا بعد مرور السنين. وما دام الإنسان قادراً على المراجعة والتعلم والإصلاح، فإن في عمره متسعاً لمعنى جديد، حتى وإن ضاقت به بعض الفرص.
أعمارنا ليست ما مضى منا فحسب؛ إنها أيضاً ما بقي فينا من قدرةٍ على أن نبدأ من جديد.
وفي نهاية المطاف، حين تتراجع ضوضاء المنافسة، وتخفت الرغبة في إثبات الذات، وتصبح الأيام أكثر قيمةً من أن تُهدر في الخصومات الصغيرة، ندرك أن أجمل ما يمكن أن نبلغه ليس أن نعيش حياةً خاليةً من الألم، فهذا مما لا تضمنه الدنيا لأحد، بل أن نعيش حياةً لا يفسد الألم فيها جوهرنا، ولا تحوّلنا الخيبات إلى نسخٍ قاسيةٍ ممن أساؤوا إلينا.
أن نصل إلى آخر الطريق بقلوبٍ لا تزال تعرف الدعاء، وأرواحٍ لا تزال تتسع للمحبة، ونفوسٍ لم تفقد قدرتها على رؤية الجمال، وضمائر لا تحتاج إلى الاختباء من ماضيها، وذكرياتٍ يستطيع أصحابها أن يستعيدوها دون أن يثقلهم الندم على ما كان في وسعهم إصلاحه.
تلك هي الثروة التي لا يبددها الزمن، والمكانة التي لا تسقط بتغير الظروف، والإرث الذي لا يحتاج إلى وصيةٍ كي يبقى.
إن أعمارنا، مهما امتدت، ستظل سطوراً قليلةً في كتاب الوجود؛ غير أن قلة السطور لا تعني ضآلة المعنى. فقد تكفي كلمةٌ صادقةٌ لتبقى، وموقفٌ نبيلٌ ليُروى، ويدٌ امتدت في وقت الشدة لتُنسى بعدها سنواتٌ من الغياب، وقلبٌ أحسن إلى الناس ليترك فيهم أثراً لا تقيسه الساعات ولا تحصره التواريخ.
ولذلك، إذا سألنا أنفسنا ذات مساء: ماذا بقي لنا من كل ما عشناه؟ فلن تكون الإجابة في عدد المناصب التي بلغناها، ولا في مقدار ما جمعناه، ولا في أسماء الذين عرفونا؛ بل في أولئك الذين وجدوا في صحبتنا أمناً، وفي الذين خففنا عنهم ثقل الطريق، وفي اللحظات التي اخترنا فيها الصواب حين كان الخطأ أسهل، وفي المرات التي انتصرنا فيها على قسوة الحياة بأن بقينا رحماء.
هناك، تحديداً، تُكتب الأعمار الحقيقية.
وما عدا ذلك، فتواريخ تمرّ، وصور تتلاشى، وأسماء تتباعد في ذاكرة الزمن.
أما الأثر الطيب، فهو العمر الذي لا تنتهي سطوره برحيل صاحبه.
— حاتم الكثيري


