لم يعد السوق ساحة لتبادل المنافع بل تحول إلى مسرح رقمي تقوده الكاميرات وفلاتر الخداع حيث تحولت مهنة البيع والشراء من شطارة وأمانة إلى مجرد لقطة وفلتر وبث مباشر لتبنى خلف كواليسها إمبراطوريات وهمية قوامها القروض والديون المقنعة.
يقتحم الأسواق اليوم فوج من التجار الجدد مدججين بمصوري السناب شات والتيك توك، والانستغرام يبيعونك عبر رابط إلكتروني بضاعة رديئة لم يلمسوها قط لكنهم يقنعونك بأنها سر السعادة يرافقهم السمسار الرقمي بنظارته الشمسية ليعرض فرصة العمر وان سألته عن السعر يأتيك الرد المحير تواصل معنا على الخاص وكأن الثمن سر من الاسرار .
وزاد الطين بلة موجة شباب أصابتهم حمى البرستيج فقرروا تصدر المشهد بلقب رجل أعمال دون دراسة جدوى أو فهم لمخاطر السوق بل كان الحل السحري لديهم هو الركض وراء تمويلات البنوك وقروض السيارات الفارهة تجد أحدهم يركب سيارة لكزس آخر موديل بينما راتبه ممزق بالكامل بين الأقساط ولا يتبقى منه ما يكفي لللامريكانو والسبانش لاتيه ويا هؤلاء ما هكذا يا سعد تورد الإبل فالبزنس عرق جبين وليس مظاهر يشتري البنك برستيجها او شركات التمويل والرهن الزائف وكان الأولى بهؤلاء إدراك الحكمة وتطبيق المثل القائل مد فراشك على قد لحافك فرحم الله امرءا عرف قدر نفسه وإمكانيات جيبه ولم يتطاول في البنيان المالي بقروض وتمويلات ورهونات تقصم الظهر.
ولأن ديون البنوك لا ترحم سرعان ما تستيقظ هذه الأوهام على كوابيس القضايا فجأة تتحول هواتف التاجر الجديد ورجل الاعمال صاحب الشيله والقصيده إلى مغلقة ومقطوعة وتختفي الابتسامات لتصطدم بـ تعاميم أمنية وبلاغات شيكات بدون رصيد بينما تضيع أموال الناس وأراضيهم التي ائتمنوه عليها في غيابت الجب وتنتهي المسرحية بظهور اسمه في قوائم الشتور والمساعدات والهبات اجارنا الله واياكم جميعا .
وهنا تبرز فئة أخرى ملأت الفضاء الرقمي وهم متسولو الـ 50 والـ 30 ريالا فئة من المتسولين الجدد الذين لا يريدون عملا ولا يبحثون عن وظيفة ولا يملكون أدنى ثقافة للتخطيط لرواتبهم أو تنظيم دخلهم الشحيح كل مهاراتهم تتلخص في إرسال رسائل الاستجداء المكررة عبر الخاص أو ملاحقة المشاهير في التعليقات بعبارات حول لي 50 ساعدني بـ 100 ناقصني 30 ريال !
ولم يقف الأمر عند المنصات الرقمية فحسب بل إن هؤلاء المتسولين الجدد الذين امتهنوا هذه الحرفة سريعا باتت لديهم قوائم بأسماء وأرقام الهواتف الخاصة بالميسورين ورجال الأعمال يلاحقونهم بالاتصالات المزعجة والرسائل المتكررة في كل وقت وحين حتى أصبحت النتيجة الحتمية أن الكثير من الناس ورجال الأعمال باتوا لا يردون على هواتفهم إطلاقا هربا من هذا الإلحاح والاستجداء اليومي! لقد استسهلوا مد اليد والاتصال بدلا من السعي والإنتاج يركضون خلف الكاميرات والجيوب يمدحون هذا لأنه كريم رمى لهم بفتات تسولهم ويذمون ذاك ويصفونه بـ البخيل والمتكبر المغرور لأنه حرمهم من التريند أو لم يرد على اتصالاتهم!
المصيبة الكبرى ان المجتمع والأسر باتت تدفع ضريبة قاسية لهذا العبث كله تحت مسمى التكافل الاجتماعي فبدلا من أن توجه أموال الصدقات إلى صناديق الزكاة او الوقف والفرق الخيرية المعتمدة لدعم المحتاجين الحقيقيين والأيتام ذوي الحاجه او للتعليم لمن لايستطيع اكمال دراسته واصبحت تستنزف لفك كربات هؤلاء المتهورين الذين تراكمت ديونهم بسبب المظاهر وسيارات اللكزس أو تذهب لسد طلبات متسولي الشاشات والهواتف الكسالى ليتحول العطاء إلى صندوق إغاثة للمفلسين رقميا ونردد جميعا بحسرة اللهم إنا نعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال بعد أن جلب هؤلاء الهواة لأنفسهم ولأهاليهم الهوان والملاحقات القانونية بسبب بريق زائف.
أمام هذا الطوفان وهذه الظواهر وجب الحذر ونحن اليوم في حاجة ماسة إلى حملة وعي استهلاكي وتخطيط اقتصادي تقوده الجهات ذات العلاقه كالتنمية الاجتماعية او لجان التوفيق والمصالحة كونها الاقرب لملامسة نبض هذه النزاعات المالية قبل وصولها للمحاكم إن هذا الوعي يتطلب تكاتفا مؤسسيا ومجتمعيا يبدا من مكاتب الولاة والشيوخ ويمر عبر جمعيات المرأة العمانية لتوجيه الأسر وصولا إلى الفرق الشبابية والمثقفين لتفكيك هذه المظاهر الزائفة فالاقتصاد علم وعقل ومسؤولية وفلاتر السناب شات قد تجمل الوجوه واللكزس قد يخدع الأعين لكنها أبدا لا تسدد ديون البنوك ولا تحميك من تعاميم القضاء …
عصام زعبنوت
١ نوفمبر ٢٠٢٦


