بقلم: المهدي سعيد المعولي
يبدو لي أن الإنسان، في كثير من الأحيان، لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الطمأنينة. فهو لا يريد دائمًا أن يعرف ما يحدث فعلًا، بقدر ما يريد أن يشعر بأن الأمور تسير على نحو يستطيع تقبّله، وأن العالم، رغم ما فيه من غموض وتناقض، لا يزال مفهومًا بما يكفي ليواصل العيش فيه.
ولعل هذا ما يجعلنا نميل أحيانًا إلى تصديق ما يريحنا، لا ما تؤيده الوقائع، ونتمسك بتفسيرات تمنحنا شعورًا بالاستقرار، حتى حين تبدأ الشكوك بالتسلل إليها. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الحقيقة، بل قد تكون في خوفنا مما ستفرضه علينا إذا عرفناها.
قد يشعر الإنسان بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، لكنه يفضّل ألا يبحث كثيرًا. وقد يكتشف أن صورةً آمن بها طويلًا بدأت تفقد تماسكها، ومع ذلك يتمسك بها؛ لا لأنه ما زال مقتنعًا بها تمامًا، بل لأنه لا يعرف ماذا سيفعل إذا تخلّى عنها. فبعض الحقائق لا تغيّر معرفتنا بالأشياء فحسب، وإنما تجبرنا على إعادة النظر في أنفسنا، وفي اختياراتنا، وفي القرارات التي اتخذناها بناءً على ما كنا نظنه صحيحًا.
وهنا يصبح خداع النفس أمرًا أكثر تعقيدًا من مجرد تصديق معلومة خاطئة. فقد لا يحتاج الإنسان إلى من يقنعه برواية يريد تصديقها؛ يكفي أن يجد فيها ما يوافق رغبته، ثم يكررها في ذهنه حتى تصبح مألوفة، وربما تتحول مع الوقت إلى حقيقة يصعب عليه التشكيك فيها.
ولذلك، ليس كل ما نصدّقه صحيحًا، كما أن رفضنا لتصديق شيء لا يجعله باطلًا.
لكن هل يعني ذلك أن علينا البحث عن الحقيقة مهما كان الثمن؟ وهل ينبغي للإنسان أن يضع معرفته بكل شيء فوق راحته النفسية، حتى لو كان ما سيكتشفه لن يغيّر شيئًا في واقعه، وإنما سيضيف إلى حياته ألمًا لا يعرف كيف يتعامل معه؟
لا أعتقد أن المسألة بهذه البساطة.
فالطمأنينة ليست ضعفًا، والرغبة في السلام النفسي ليست عيبًا ينبغي أن نتخلص منه. نحن نحتاج إلى قدر من الاستقرار حتى نستطيع التفكير والعمل وبناء علاقاتنا ومواصلة حياتنا. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول حاجتنا إلى الطمأنينة إلى سبب يجعلنا ننكر ما نعرفه، أو نتجاهل ما تشير إليه الوقائع، لمجرد أن الاعتراف بها سيجعل حياتنا أكثر تعقيدًا.
ومع ذلك، لا أرى أن مواجهة الحقيقة تعني بالضرورة التضحية براحتنا النفسية. فثمة فرق بين أن ننكر الحقيقة كي نتجنب الألم، وبين أن نعرفها، ونعترف بأثرها فينا، ثم نحاول أن نتعلم كيف نعيش معها.
قد نكتشف أن شخصًا وثقنا به لم يكن كما تصورناه، أو أن قرارًا اتخذناه في الماضي لم يكن صائبًا، أو أن أمرًا سعينا إليه طويلًا لم يعد يستحق ما نبذله من أجله. ومثل هذه الاكتشافات قد تكون مؤلمة، لأنها لا تتعلق دائمًا بما حدث فحسب، بل بما تعنيه تلك الأحداث بالنسبة إلينا. فقد نضطر إلى مراجعة أحكامنا، أو الاعتراف بخطئنا، أو التخلي عن صورة رسمناها لأنفسنا أو للآخرين.
لكن هل ينبغي أن نبقى أسرى لهذه الاكتشافات إلى الأبد؟
أظن أن معرفة الحقيقة لا تمنحنا بالضرورة القدرة على تغيير الماضي، لكنها تمنحنا فرصة لفهمه على نحو مختلف، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا في الحاضر. وما حدث قد يفسر بعض ما نشعر به اليوم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على ما يمكن أن نكون عليه غدًا.
وهنا أجد أن النضج لا يكمن في القدرة على تجنب الألم، ولا في الادعاء بأننا أقوى من أن نتأثر بما نعرفه. بل يكمن في أن نعترف بألمنا دون أن نجعل منه محور حياتنا، وأن نتعلم من تجاربنا دون أن نسمح لها بأن تحدد نظرتنا إلى كل شيء.
فليس مطلوبًا من الإنسان أن ينسى كل ما آلمه، ولا أن يتظاهر بأن ما حدث لم يترك أثرًا فيه. لكنه ليس مطالبًا أيضًا بأن يعيد عيش التجربة نفسها كل يوم، وكأن استحضار الألم دليل على الوفاء للحقيقة أو الاعتراف بها.
قد تكون بعض الأسئلة جديرة بأن نبحث عن إجاباتها، بينما لا يؤدي الاستمرار في مطاردة أسئلة أخرى إلا إلى استنزاف أنفسنا. وربما لا يكون الفرق بين الأمرين في أهمية الحقيقة ذاتها، بل في قدرتنا على الاستفادة مما نعرفه، وفي الأثر الذي يتركه البحث في حياتنا.
ومن هنا أعود إلى السؤال الذي بدأت منه: هل نبحث عن الحقيقة أم عن الطمأنينة؟
ربما نبحث عنهما معًا، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نوازن بينهما. نريد الحقيقة لأنها تساعدنا على فهم العالم واتخاذ قراراتنا على أساس أكثر وعيًا، ونريد الطمأنينة لأننا لا نستطيع أن نعيش في حالة دائمة من الشك والصراع. وقد يكون الخطأ في تصورنا أن علينا الاختيار بينهما، وكأن امتلاك إحداهما يستلزم التخلي عن الأخرى.
فالحقيقة لا تفقد قيمتها لأنها مؤلمة، والطمأنينة لا تفقد قيمتها لأنها مريحة. لكن الخطر يبدأ حين نستخدم الراحة مبررًا لإنكار الواقع، أو حين نجعل البحث عن الحقيقة معركة لا تنتهي، نستنزف فيها أنفسنا حتى بعد أن نكون قد عرفنا ما يكفي لفهم ما حدث والمضي قدمًا.
لست أرى أن الإنسان مطالب بأن يكون سعيدًا بكل حقيقة يكتشفها، ولا أن يكون مستعدًا لمواجهتها في كل لحظة. وربما يحتاج أحيانًا إلى بعض الوقت حتى يستوعب ما عرفه، ويعيد ترتيب أفكاره، ويجد الطريقة التي يستطيع بها مواصلة حياته.
فالحكمة، في نظري، ليست أن نعرف كل شيء، ولا أن نهرب مما نعرفه، بل أن ندرك قيمة ما نبحث عنه، وأن نتحمل مسؤولية ما نكتشفه، وألا نسمح للماضي أو للخوف أو حتى لرغبتنا في الوصول إلى اليقين بأن يسلبنا قدرتنا على العيش.
فليس النضج ألّا نتألم حين نعرف الحقيقة، بل أن نعرف كيف نواصل الحياة بعدها، دون أن ننكرها ودون أن نفقد أنفسنا فيها.


