حُليّ الرَّهينة

نشرت :

سالم العمري أبو سهيل

كعادتي بعد صلاة الفجر، تأخذني قدماي إلى الغابة التراثية القريبة من البيت. أمشي فيها كيلومترات، أُحصيها على وقع خطواتي وتسبيحاتي. لكن هذه المرة كانت مختلفة.

كيف مختلفة؟ مشيت قرابة أحد عشر كيلومترًا، فإذا بي أعود إلى نقطة البداية، كأن الغابة رسمت لي دائرة وأغلقتها عليّ.

من التعب جلست على بقايا جذع شجرة عملاقة، بدا كأنه كرسيٌّ نُحت لظهرٍ متعب. لا أعرف كيف تشكّل، لكنه كان هناك، ثابتًا كأنه ينتظرني منذ دهر.

جلست أعمل تمارين الاسترخاء، أستند وأتنفس، وأحرّك قدميّ لأطرد التعب. وأثناء التحريك، اصطدمت قدمي اليمنى بشيءٍ صلبٍ مدفون. شعرت بألمٍ حادٍّ يسري في عظمي، فقلت: “إن شاء الله خير”. وكانت المفاجأة.

توقفت عن الحركة، ونظرت، فإذا الدم ينزف من إصبع الإبهام. شققت طرفًا من الوزار، وربطت الإصبع بإحكام حتى توقف النزيف. ثم قلت في نفسي: “لأعرفنَّ بماذا اصطدمت”.

أزحت أوراق الشجر التي تملأ المكان، تتلاعب بها الريح هنا وهناك. وما إن أزحتها حتى هبّت عليّ “رياح التراث الحرفي” — هكذا أحسستها — فتكشّف أمامي حُليٌّ من الفضة: حروفٌ مصوغة، وخرز مرجان، وزهور العَطَب، وخيطٌ بالٍ يكاد يتفتت، وقطعة بلاستيك لا تنتمي إلى ذلك الزمن.

جلست أتأملها بإمعان. قلت في نفسي: “هذه القطع شبيهة بحُليّ الرهينة المعروضة في متحف تواصل الأجيال، لكن هذه أقدم… أقدم بكثير. فيها رائحة يدٍ صنعتها قبل أن أولد”. وعمري الآن قريب من الستين.

رجعت إلى البيت، قصدت المتحف، وأخذت من درج المكتب خيطًا جديدًا يشبه القديم في سماكته ولونه. شككت القطع — أي أدخلتها في الخيط — قطعةً قطعةً، حسب الترتيب الذي أعرفه، وبناءً على حُليّ الرهينة الموجودة في المتحف. ثم عدت إلى نفس المكان، إلى جذع الشجرة العظيم، وحفرت بيدي ودفنت الرهينة في نفس الموضع، كما تُدفن الأمانة عند صاحبها.

بعد ذلك رجعت إلى البيت، واغتسلت، ونمت. فجاءتني في الحلم امرأة، وجهها وقورٌ يشعّ منه نور يبعث في النفس الاطمئنان، وعيناها تلمعان بالامتنان. قالت:
“شكرًا لك. غفر الله لوالديك، ومدّك بالخير، ومتّعك بالصحة والعافية والعمر المديد”.
فقلت لها: “وماذا فعلتُ أنا حتى تدعين لي هذا الدعاء كله؟”

فقالت: “من عاداتنا أن يُهدي العريس عروسه هدية من صنع يده قبل ليلة الزفاف بمدة، ويجب على العروس أن تحافظ عليها كما تحافظ على حياتها، فإن أضاعتها أُلغي الزواج، وعُيّرت أمام الملأ، ولا يخطبها أحد بعد ذلك أبدًا.

اسمح لي أن أناديك بابني. يا بنيّ، ابنتي أثناء تجوالها في الغابة دفنتها عند الشجرة التي وُلدت تحتها. واليوم عرسها بإذن الله. ذهبت صباحًا تبحث عنها، فلم تجد إلا الخيط البالي، فجلست تبكي حتى أُغمي عليها من القهر. فلما أفاقت، وجدت الرهينة كاملة كما وضعتها أول مرة، فلبستها مفتخرة، ورفعت رأسها إلى السماء، ودعت لمن أعادها بالخير. وابنتي من الصالحات.

قبل أن أغادر، يا بنيّ، خذ مني هذه الكلمات: إذا ضاقت بك الدنيا واحتجت شيئًا، تعال إلى هذا المكان، وارفع يديك وقل: يا رب، أفرحني كما أفرحت العروس”.

وما أخرجني من هذا الحلم الجميل إلا صوت ابني يهزّني برفق: “أبي، اليوم الباص لن يأتي. هل توصلني إلى المدرسة؟”
قمت، وتوضأت، وصليت صلاة الشكر، وجلست إلى فطوري: عصيدة شغل أول، عليها عسل وسمن بلدي وقليل من السكر، وخبز ثخين، وكوب شاي نعناع تفوح منه رائحة زكية.

أكلت، ودعاء المرأة يرنّ في أذني، وصورة الرهينة المدفونة ماثلة بين عينيّ.

- Advertisement -

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img