بخيت… صديقٌ مضى وبقي أثره

نشرت :

بقلم: أحمد معروف اليافعي

هكذا هي الدنيا… نمضي في دروبها دون أن ندرك ما ينتظرنا بعد الرحيل. تبقى الذكريات وحدها شاهدة علينا، تعيدنا إلى وجوهٍ وأرواحٍ كانت يومًا جزءًا من تفاصيلنا، لا تغيب وإن غاب أصحابها.

أسترجع اليوم ذكرياتي مع صديق العمر، ذلك الإنسان الطيب الهادئ: بخيت بن مسلم قريطاس العمري. كان صديقًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مسالمًا، خلوقًا، قليل الكلام، عظيم القلب. ينتمي إلى أسرة عُرفت بحسن السيرة وطيب الأصل، فكان امتدادًا صادقًا لذلك الإرث النبيل.

تعود بي الذاكرة إلى أيام الدراسة الثانوية، حين كنا أنا وبخيت نعيش أجمل مراحل العمر. كنا، كغيرنا من الشباب، نميل أحيانًا إلى المشاغبة، نهرب من رتابة الحصص الدراسية إلى ما يمنحنا شعورًا بالحياة… وهناك وجدنا أنفسنا في عالمٍ مختلف: عالم المسرح.

أتذكر ذلك اليوم حين قررنا التغيب عن الحصص، فكانت وجهتنا جماعة المسرح، بدعوة من الصديق المبدع مسلم علي تبوك، الذي أصبح اليوم مخرجًا معروفًا. كان شغفه بالمسرح هو البوابة التي عبرنا منها إلى ذلك العالم الساحر.

تحت إشراف الأستاذ سعيد الكثيري، مسؤول الأنشطة المسرحية آنذاك، خضنا أولى تجاربنا فوق الخشبة. كان المشهد بسيطًا: مدير مدرسة ونائبه. أدى بخيت دور المدير، بينما جسدتُ أنا دور النائب. كانت تلك أول مرة نضع فيها المكياج ونقف أمام الجمهور… تجربة بدت غريبة في بدايتها، لكنها سرعان ما تحولت إلى لحظة سحر لا تُنسى.

ولا تزال تلك اللحظة حاضرة في ذاكرتي حين عُرضت لقطات لنا على شاشة التلفزيون، أنا وبخيت، إلى جانب صديقنا زايد حبيس المشيخي. كانت لحظة فخر حقيقية، وبداية علاقة عميقة بيني وبين المسرح، علاقة امتدت لتشكل ملامح مستقبلي.

لم يكن بخيت مجرد صديق، بل كان سندًا حقيقيًا؛ داعمًا ومشجعًا، يعشق المسرح والشعر، ويؤمن بي وبموهبتي. وربما لولا دعمه، لما تحول ذلك الشغف إلى مسار مهني يشكل جزءًا من هويتي اليوم.

ثم مضت بنا الحياة كلٌ في طريقه… سافر بخيت إلى بريطانيا لإكمال دراسته، بينما اتجهتُ أنا إلى الكويت لدراسة المسرح. ورغم المسافات، ظل ما جمعنا أكبر من الغياب… كانت صداقة راسخة، تركت أثرها العميق في روحي ومسيرتي.

هكذا هي الحياة… نلتقي، نحب، نصنع الذكريات، ثم نفترق. لكن ما يبقى حقًا هو السيرة الطيبة، والأثر الذي لا يمحوه الزمن.

رحم الله بخيت مسلم العمري، ذلك الصديق الذي لم يكن عابرًا في حياتي، بل كان علامة مضيئة لا تُنسى.

فنحن جميعًا راحلون… لكن الذكريات الجميلة هي التي تبقى.

- Advertisement -

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img