صناديق الاقتراع الأمريكية تعيد رسم المشهد السياسي: هل أخطأ ترامب قراءة المجتمع الأمريكي؟

نشرت :

بقلم: د. حامد بن شظا المرجان

أستاذ جامعي ومستشار إعلامي سابق

لم تكن ليلة الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026 مجرد مناسبة ديمقراطية لتجديد مقاعد الكونغرس، بل تحولت إلى محطة سياسية لافتة كشفت عن تغير واضح في المزاج الانتخابي الأمريكي، ورسالة مباشرة من الناخبين إلى البيت الأبيض مفادها أن الوعود الانتخابية لا تكفي وحدها لإدارة دولة بحجم الولايات المتحدة، وأن المواطن يحاسب قيادته على نتائج السياسات وليس على الشعارات.

فقد تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في خسارة سياسية كبيرة للحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب، الذي دخل الانتخابات وهو يراهن على استمرار الدعم الشعبي لبرنامجه السياسي والاقتصادي. وجاءت النتائج لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات السياسية داخل واشنطن.

الاقتصاد.. الاختبار الحقيقي لترامب

ربما كان العامل الاقتصادي هو الأكثر تأثيراً في هذه الانتخابات. فالأمريكي الذي منح ترامب ثقته على أساس وعود تحسين الاقتصاد وخفض تكاليف المعيشة، وجد نفسه أمام تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار وتكاليف الغذاء والطاقة والبنزين والخدمات الأساسية.

وأظهرت استطلاعات الناخبين بعد التصويت أن تكلفة المعيشة كانت من أبرز العوامل المؤثرة في خياراتهم، وأن قطاعات واسعة لم تشعر بتحسن أوضاعها الاقتصادية مقارنة ببداية الولاية الحالية.

وهنا تكمن إحدى الإشكاليات السياسية التي واجهت ترامب: فالمواطن الأمريكي قد يتقبل الخطاب القومي المتشدد، وقد يؤيد بعض الإجراءات التجارية الحمائية، لكنه عندما يجد أن فاتورة التسوق والوقود والسكن ترتفع، فإنه يعيد حساباته بعيداً عن الشعارات.

إن الاقتصاد في النهاية ليس مجرد مؤشرات في البورصة أو أرقام للنمو، بل هو قدرة الأسرة الأمريكية على إدارة ميزانيتها الشهرية والشعور بالأمان المالي.

حرب إيران.. عندما تنتقل السياسة الخارجية إلى جيب المواطن

لم تعد حرب إيران قضية عسكرية أو استراتيجية بعيدة عن اهتمامات المواطن الأمريكي. فقد أصبحت تكاليف الصراع وتداعياته على أسواق الطاقة وأسعار الوقود والاقتصاد الأمريكي جزءاً من النقاش الانتخابي الداخلي.

وتشير دراسة مجلس شيكاغو للشؤون العالمية المنشورة في أكتوبر 2026 إلى أن 86% من الأمريكيين الذين شملهم استطلاع المجلس يرون أن الحرب مع إيران أضرت بتكلفة المعيشة، كما يرى 72% أنها أضرت بعلاقات الولايات المتحدة الدولية وسمعتها الخارجية.

هذه الأرقام تكشف عن ارتباط متزايد في وعي الناخب الأمريكي بين قرارات الحرب والسياسة الخارجية وبين حياته اليومية.

فالأمريكي لا يريد بالضرورة أن تتحول بلاده إلى دولة منغلقة، لكنه يتساءل عن جدوى الانخراط في حروب طويلة ومكلفة، وعن العائد الذي تحققه هذه التدخلات للأمن القومي والاقتصاد الوطني.

العلاقة مع إسرائيل.. تحولات في المزاج الأمريكي

ومن الملفات التي تستحق قراءة خاصة مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

لقد شهدت السنوات الأخيرة نقاشاً متزايداً داخل المجتمع الأمريكي بشأن طبيعة الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، خصوصاً في ضوء الحرب على غزة والتطورات العسكرية في المنطقة، ثم اتساع الصراع مع إيران.

ولم يعد هذا النقاش محصوراً في التيارات اليسارية أو بعض الأصوات المستقلة، بل امتد إلى قطاعات أوسع من الرأي العام، وأصبح حاضراً في المنافسة الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستتخلى عن إسرائيل أو أن التحالف الاستراتيجي بين البلدين سينتهي، لكنه يعني أن طبيعة هذا التحالف قد تصبح موضع مراجعة ومساءلة أكبر، خصوصاً فيما يتعلق بالمساعدات العسكرية وشروط استخدامها.

ومن المهم هنا التمييز بين استمرار التحالف الاستراتيجي وبين تراجع القبول الشعبي غير المشروط لبعض السياسات الإسرائيلية.

الحلفاء.. هل أعادت أمريكا النظر في مفهوم القيادة الدولية؟

أما على المستوى الدولي، فقد وضعت سياسات ترامب تجاه الحلفاء التقليديين الولايات المتحدة أمام تساؤلات تتعلق بمستقبل الثقة المتبادلة داخل النظام الغربي.

فالعلاقات مع أوروبا وحلف شمال الأطلسي، والضغوط المتعلقة بالإنفاق الدفاعي، والرسوم الجمركية، والحروب التجارية، كلها ملفات أثارت نقاشاً حول ما إذا كانت واشنطن تعيد تعريف مفهوم التحالفات الدولية وفق حسابات المصالح المباشرة وحدها.

لكن التحالفات ليست مجرد اتفاقيات عسكرية أو تبادل تجاري؛ إنها أيضاً منظومة من الثقة والاستقرار والتوقعات المشتركة.

ومن هنا فإن خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس قد تمنح الحلفاء الأمريكيين فرصة لمراقبة اتجاه السياسة الأمريكية بصورة مختلفة، لكنها لا تعني تلقائياً حدوث تغيير جذري في السياسة الخارجية، لأن الرئيس لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في هذا المجال.

ترامب والقراءة الخاطئة للناخب الأمريكي

لعل الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذه الانتخابات أن الشعبية السياسية لا تُقاس فقط بحجم التجمعات الانتخابية أو قوة الخطاب أو القدرة على إثارة الجدل.

لقد راهن ترامب على أن الناخب الأمريكي سيمنح الأولوية لشعارات القوة والحمائية الاقتصادية والهجرة والسياسة الخارجية الصلبة، لكن النتائج تشير إلى أن شريحة واسعة من الناخبين أرادت أن تضع الاقتصاد وتكاليف الحياة والرقابة على السلطة في مقدمة الأولويات.

وهنا تظهر أهمية المؤسسات الأمريكية؛ فالانتخابات النصفية ليست مجرد تنافس بين حزبين، وإنما إحدى آليات التوازن الدستوري التي تسمح للناخبين بإعادة توزيع القوة السياسية خلال فترة الرئاسة نفسها.

بين واشنطن وتل أبيب.. رسالة انتخابية تتجاوز الحدود

قد تبدو المقارنة بين المزاج السياسي الأمريكي وما تشهده إسرائيل من تجاذبات حول قيادة بنيامين نتنياهو مقارنة مثيرة للاهتمام، فالمجتمعان يعيشان نقاشات حادة بشأن الحرب والأمن والاقتصاد ومستقبل القيادة السياسية.

لكن يجب التمييز بين الحالتين؛ فالانتخابات النصفية الأمريكية لم تُسقط ترامب من الرئاسة، كما أن خسارة حزب أو ائتلاف سياسي لا تعني بالضرورة الإطاحة الفورية برئيس الحكومة الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن الرسالة المشتركة التي تستحق التأمل هي أن المجتمعات الديمقراطية تمتلك أدوات لمحاسبة قياداتها، وأن استمرار السلطة لا يعفي أصحاب القرار من مراجعة سياساتهم.

ماذا بعد؟

تدخل الولايات المتحدة الآن مرحلة سياسية جديدة، سيكون فيها الكونغرس ساحة أكثر نشاطاً للرقابة والتحقيق والمواجهة التشريعية مع الإدارة الجمهورية.

ومن المتوقع أن تصبح ملفات الإنفاق العام والحرب مع إيران والرسوم الجمركية والمساعدات الخارجية والعلاقة مع إسرائيل من أبرز موضوعات الصراع السياسي خلال العامين المتبقيين من ولاية ترامب.

أما بالنسبة للعالم، فإن أهمية هذه الانتخابات لا تقتصر على الحسابات الحزبية الأمريكية، بل تمتد إلى مستقبل الاستقرار الدولي، وأسواق الطاقة، والعلاقات عبر الأطلسي، وطبيعة الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.

الخلاصة

إن ما حدث في الانتخابات النصفية الأمريكية يقدم درساً مهماً في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمجتمع. فالمواطن لا يمنح تفويضاً مفتوحاً، ولا يمكن لأي رئيس أن يفترض أن شعبيته السابقة ستظل قائمة مهما تغيرت الظروف.

قد يكون ترامب قد أخطأ في تقدير المسافة بين طموحاته السياسية وبين أولويات الناخب الأمريكي، وربما لم يدرك بالقدر الكافي أن المواطن الذي يصوت من أجل التغيير ينتظر نتائج ملموسة في حياته اليومية، وليس مجرد خطاب سياسي قوي.

والأهم من ذلك أن هذه الانتخابات أعادت تسليط الضوء على قيمة المؤسسات والتوازن بين السلطات، وعلى قدرة صناديق الاقتراع على تصحيح المسار السياسي دون اللجوء إلى وسائل خارج النظام الدستوري.

إنها رسالة أمريكية إلى الداخل والخارج: القوة الحقيقية للديمقراطية ليست في بقاء حزب في السلطة، وإنما في قدرة المجتمع على مساءلة السلطة وتغيير موازينها عندما يرى أن السياسات لم تعد تعكس أولوياته.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img