الصحراء المغربية في ميزان القوى العظمى: حين اصطدم الفيتو الروسي بالطموح الأمريكي

نشرت :

بقلم: د. حامد بن شظا المرجان

أستاذ جامعي ومستشار إعلامي سابق

لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي بين المغرب وجبهة البوليساريو، أو خلاف سياسي بين الرباط والجزائر، بل أصبحت مرآة تعكس التحولات العميقة في بنية النظام الدولي، وصراع النفوذ بين القوى الكبرى. ففي الوقت الذي تتقدم فيه واشنطن لدعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، تظهر موسكو من موقع المعارض مستخدمة حق النقض، بينما تختار بكين سياسة أكثر تحفظاً، تقوم على تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، دون التخلي عن حساباتها الاستراتيجية.

إن ما حدث في مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026 لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصويت على مشروع قرار يتعلق ببعثة المينورسو، بل ينبغي النظر إليه بوصفه اختباراً جديداً لقدرة القوى الكبرى على توظيف المؤسسات الدولية لخدمة مصالحها الجيوسياسية.

الفيتو الروسي: دفاع عن الشرعية أم اعتراض على النفوذ الأمريكي؟

إن استخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي يعكس، في جانب منه، رفض موسكو أن تنفرد واشنطن بتحديد مسارات التسوية السياسية في النزاعات الدولية.

فروسيا، التي تواجه ضغوطاً غربية واسعة في ملفات دولية متعددة، تدرك أن قبولها بتمرير تسوية تتبناها الولايات المتحدة دون توافق دولي قد يضعف قدرتها على المناورة في ملفات أخرى.

ومن هنا يمكن فهم الموقف الروسي باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ نظام دولي متعدد الأقطاب، لا تنفرد فيه الولايات المتحدة بتحديد قواعد اللعبة السياسية.

لكن السؤال الذي يظل مطروحاً: هل يخدم هذا الموقف فعلاً حق تقرير المصير، أم أنه يعكس في المقام الأول حسابات القوة والنفوذ؟

الصين: دبلوماسية المصالح والانتظار

على خلاف موسكو، لا تبدو بكين راغبة في الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن بشأن الصحراء المغربية.

فالصين تدرك أهمية علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع المغرب، كما تدرك في الوقت ذاته حساسية مبدأ تقرير المصير في سياستها الخارجية.

لذلك اختارت موقفاً أكثر حذراً، يقوم على تجنب تأييد الطرح الأمريكي بصورة كاملة، مع المحافظة على علاقاتها مع مختلف الأطراف.

وهذا السلوك يعكس فلسفة الدبلوماسية الصينية التي تفضل توسيع هامش المناورة، وتجنب المواجهات السياسية التي لا تحقق لها مكاسب استراتيجية واضحة.

المغرب بين المكاسب الدبلوماسية وتحديات التوافق الدولي

لا شك أن الدعم الأمريكي والبريطاني والفرنسي للمقترح المغربي يمثل مكسباً دبلوماسياً مهماً للرباط، ويعزز موقع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً عملياً للتسوية.

غير أن هذا التقدم لا ينبغي أن يؤدي إلى الاعتقاد بأن النزاع قد حُسم نهائياً على المستوى الدولي.

فالقضية لا تزال مرتبطة بمواقف أطراف إقليمية ودولية، وبمفهوم تقرير المصير، وبالقدرة على الوصول إلى تسوية تحظى بقبول دولي واسع.

ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية المغربية في المرحلة المقبلة، ليس فقط في تعزيز الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي، بل أيضاً في توسيع دائرة التفاهم مع القوى التي لا تزال تتحفظ على بعض جوانب الموقف المغربي.

الجزائر والبوليساريو: استمرار معادلة النزاع

لا يمكن تحليل التطورات الأخيرة بمعزل عن الدور الجزائري، باعتبارها طرفاً محورياً في المعادلة الإقليمية المرتبطة بالنزاع.

فالفيتو الروسي وفر للبوليساريو والجزائر مساحة سياسية لمواصلة التمسك بخيار تقرير المصير، في مواجهة التوجه الأمريكي الداعم للحكم الذاتي.

لكن استمرار الخلاف لا يعني بالضرورة أن موازين القوى ثابتة؛ فالتغيرات الدولية والإقليمية، والمصالح الاقتصادية والأمنية، قد تدفع الأطراف مستقبلاً إلى إعادة تقييم مواقفها.

مجلس الأمن وأزمة النظام الدولي

لعل الدلالة الأعمق لهذه الواقعة تتجاوز الصحراء المغربية نفسها.

فمجلس الأمن، الذي يفترض أن يكون المؤسسة الرئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين، أصبح في كثير من الملفات ساحة لتجاذبات الدول الخمس دائمة العضوية.

إن حق النقض، الذي أُنشئ أصلاً لضمان مشاركة القوى الكبرى في النظام الدولي ومنع انهياره، تحول في حالات عديدة إلى أداة لتعطيل القرارات، حتى عندما تحظى بتأييد أغلبية أعضاء المجلس.

وهنا تبرز مفارقة النظام الدولي: كيف يمكن لمؤسسة تتحدث باسم المجتمع الدولي أن تعجز عن اتخاذ قرار بسبب اعتراض دولة واحدة، مهما بلغ حجم التأييد الدولي للمشروع المطروح؟

إن هذه الإشكالية تعيد فتح النقاش حول إصلاح الأمم المتحدة، وإعادة النظر في صلاحيات الفيتو، ومدى ملاءمة الهيكل الحالي لموازين القوى في القرن الحادي والعشرين.

الخاتمة: هل تكون الصحراء اختباراً للنظام الدولي الجديد؟

إن ما جرى في مجلس الأمن يؤكد أن قضية الصحراء المغربية لم تعد محكومة فقط بالاعتبارات التاريخية والقانونية والإقليمية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمستقبل التوازنات الدولية.

فالمغرب يمتلك اليوم دعماً دولياً مهماً لمبادرة الحكم الذاتي، لكنه يحتاج إلى تحويل هذا الدعم إلى توافق أوسع وأكثر استدامة.

أما روسيا، فتستخدم الفيتو لتأكيد حضورها في معادلة القوة الدولية، بينما تواصل الصين ممارسة دبلوماسية المصالح وتجنب المواجهة المباشرة.

وفي النهاية، فإن السؤال الأكبر ليس من انتصر في جلسة مجلس الأمن، بل أي نظام دولي نريد: نظاماً تحكمه قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة، أم نظاماً تتحدد فيه نتائج النزاعات وفقاً لموازين القوة وحق النقض؟

إن مستقبل الصحراء المغربية سيظل مرتبطاً بقدرة الدبلوماسية على تحويل التوازنات الدولية إلى تسوية سياسية مستدامة، وبقدرة الأمم المتحدة على استعادة دورها بوصفها مؤسسة للشرعية الدولية، لا مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img