إنّه نوفمبر يا ولدي…

نشرت :

حين يصبح الوطن عقيدةَ انتماء،

 وتغدو الذاكرة عهداً لا يشيخ

بقلم: حاتم الكثيري

ليس الوطن رقعةً من الأرض نولد فوق ترابها، ولا حدوداً جغرافيةً تفصلنا عمّن سوانا؛ الوطن معنى أعمق من الجغرافيا، وأبقى من السياسة، وأوسع من أن تحيط به الكلمات. إنّه ذلك المقام الذي تسكنه الروح قبل أن تسكنه الأجساد، وتلك الحكاية التي نحملها في وجداننا، حتى حين نبتعد عن أرضها، وتلك الطمأنينة التي لا نعرف قيمتها كاملةً إلا حين نختبر معنى الانتماء.

حب الوطن، في جوهره، ليس انفعالاً عابراً، ولا نشيداً يُردّد في المناسبات، ولا عاطفةً تستيقظ حين ترفرف الرايات ثم تخبو بانقضاء الاحتفال؛ إنّه دينٌ بالمعنى الأخلاقي للوفاء، وأدبٌ في معاملة الأرض والإنسان، وخلقٌ يظهر في صون المكتسبات، واحترام القانون، وإتقان العمل، وحفظ كرامة الناس، والحرص على أن نترك للأجيال وطناً أجمل مما تسلّمناه.

فالأوطان لا تُحبّ بالكلمات وحدها، وإنما بما نقدّمه لها حين لا يرانا أحد، وبما نصونه حين لا يصفّق لنا أحد، وبما نزرعه في ضمائر أبنائنا من مسؤولية واعتزاز. وليس أصدق في التعبير عن عشق الوطن من مواطنٍ يجعل من إخلاصه عملاً، ومن انتمائه سلوكاً، ومن ولائه موقفاً لا تحكمه المواسم.

ثم يأتي نوفمبر…

ويا لِـنوفمبر حين لا يكون شهراً في روزنامة الزمن، بل ذاكرةً وطنيةً تمشي في عروق الناس، ونافذةً نطلّ منها على حكاية وطنٍ قرّر أن ينهض، وعلى إرادة قائدٍ أدرك أن التاريخ لا ينتظر المترددين، وأن الأمم لا تصنع أمجادها بالأمنيات، بل بالرؤية والعزم والعمل.

إنّه نوفمبر يا ولدي؛ شهرٌ له في الذاكرة العُمانية مقامٌ لا تشبهه المقامات، وفي الوجدان منزلةٌ لا تقاس بعدد الاحتفالات. فيه نستعيد بدايات النهضة المباركة، ونستحضر ملامح مرحلةٍ انتقل فيها الوطن من ضيق الإمكانات إلى اتساع الطموح، ومن تباعد المسافات إلى وحدة المصير، ومن تحديات البدايات إلى آفاق البناء والتحديث.

نستذكر السلطان قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، لا بوصفه اسماً في سجل التاريخ فحسب، بل بوصفه حكاية مرحلةٍ كاملة، وقيمةً وطنيةً ارتبطت في وجدان العُمانيين بالأمل والبناء والنهضة. نستذكر تلك الأيام التي كانت فيها البدايات وعداً، وكانت الطرق التي امتدت في الجبال والسهول والصحارى رسائلَ تقول إن المستقبل ممكن، وإن الإنسان العُماني قادرٌ على أن يصنع مكانه بين الأمم.

كان نوفمبر موعداً مع الذاكرة، لكنه لم يكن يوماً أسيراً لها؛ فالذاكرة التي لا تُلهم الحاضر تتحول إلى حنين، والحنين الذي لا يقود إلى العمل يصبح إقامةً طويلةً في الماضي. أما الذاكرة العظيمة فهي التي تمنح الأجيال جذورها، ثم تترك لها فسحة التحليق.

ولعل أجمل ما في نوفمبر أنه يعيد ترتيب علاقتنا بالزمن؛ فنحن لا نستذكر ما كان لنقيم فيه، ولا نحتفي بما تحقق لنكتفي به، وإنما نستحضر البدايات لنفهم قيمة الاستمرار، ونقرأ صفحات الأمس كي نكون أكثر وعياً بمسؤولية الغد.

ومن هنا، فإن الحديث عن النهضة المتجددة ليس انتقالاً من عهدٍ إلى عهدٍ بقدر ما هو امتدادٌ لمسيرة وطنٍ يعرف قيمة الوفاء، ويحسن قراءة التحولات، ويؤمن بأن لكل مرحلةٍ رجالها وأدواتها وتحدياتها، وأن الثوابت الوطنية أكبر من تبدّل الأزمنة.

ففي عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، تمضي عُمان في مسار نهضتها المتجددة، مستندةً إلى إرثٍ راسخ، ورؤيةٍ تستشرف المستقبل، وعملٍ يتطلع إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتنمية الإنسان، وتوسيع آفاق المعرفة والابتكار، وصون المكانة العُمانية في محيطها الإقليمي والدولي.

إنها معادلة الوفاء والاستمرار؛ خير خلفٍ لخير سلف، لا بمعنى استنساخ الماضي، وإنما بصون منجزاته والبناء عليها، ولا بمعنى الاكتفاء بما تحقق، وإنما بتحويل الإرث إلى طاقةٍ للمستقبل، والولاء إلى مسؤولية، والمحبة إلى مشاركةٍ صادقة في صناعة الغد.

والحب في هذا المقام ليس شعاراً سياسياً، بل علاقة وجدانية وأخلاقية بين القيادة والشعب، قوامها الثقة، وعمادها المسؤولية، وغايتها رفعة عُمان وكرامة إنسانها. فالولاء الصادق لا يُقاس بعلو الصوت، وإنما بصدق الموقف، ولا يُختبر في أوقات الرخاء وحدها، بل يظهر في أوقات التحدي، حين تتقدم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة، وتعلو الحكمة على الانفعال، ويصبح العمل أبلغ من القول.

يا ولدي…

إذا أردت أن تعرف معنى نوفمبر، فلا تسأل عن عدد أيامه، بل اسأل عن الحكايات التي تختزنها ذاكرة الآباء، وعن الطرق التي شهدت خطوات البدايات، وعن المدارس التي فتحت أبوابها لأحلام الصغار، وعن البيوت التي أضاءها الأمل بعد طول انتظار.

اسأل أباك عن وطنٍ كان حلماً فأصبح واقعاً، وعن جيلٍ حمل الأمانة في زمنٍ لم تكن فيه الطريق ممهدة، وعن رجالٍ آمنوا بأن بناء الإنسان هو أعظم ما يمكن أن يُهدى إلى وطن.

ثم انظر إلى عُمان اليوم، وتأمل ما ينتظرها غداً؛ فالوطن ليس ما ورثناه فحسب، بل ما نؤتمن على توريثه. والأوطان العظيمة لا تعيش على أمجاد آبائها، وإنما تجعل من تلك الأمجاد مسؤوليةً في أعناق أبنائها.

إن نوفمبر ليس ذكرى نُحييها ثم نمضي، بل عهدٌ نجدد فيه محبتنا، ونراجع فيه مسؤولياتنا، ونتذكر أن الأوطان لا يرفعها الحنين وحده، وإنما يرفعها العلم والعمل والإخلاص، وأن أعظم وفاءٍ لمن وضعوا لبنات النهضة أن نكون جديرين بما بنوه، وأمناء على ما تركوه.

وما بين قابوس البدايات وهيثم الاستمرار، تبقى عُمان هي الحكاية، ويبقى الإنسان العُماني جوهرها وغايتها، ويبقى العهد للوطن ثابتاً، والمحبة متجددة، والولاء ممتداً، لا يحدّه زمن ولا تختزله مناسبة.

إنّه نوفمبر يا ولدي…

فلا تجعله يوماً في التقويم، بل اجعله معنىً في ضميرك؛ أحبب وطنك كما تحب جذورك، وصُن تاريخه كما تصون كرامتك، واعمل لمستقبله كما لو أن الغد أمانةٌ أودعها الله بين يديك.

فالأوطان لا تطلب من أبنائها أن يتغنّوا بها فحسب، بل أن يكونوا جديرين بها.

وستظل عُمان، بإذن الله، وطناً نعتز به، ونختلف من أجله لا عليه، ونحفظ وحدته، ونصون مكتسباته، ونمضي خلف قيادته في دروب البناء والنهضة، مؤمنين بأن الوفاء للماضي لا يكتمل إلا بالإخلاص للمستقبل.

عُمان ليست ذكرى نحتفل بها… عُمان عهدٌ نحمله، وهويةٌ نعيشها، وأمانةٌ نسلّمها للأجيال أكثر رسوخاً وازدهاراً.

حفظ الله عُمان، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووفّق سلطانها وشعبها لكل خير.

✍️ حاتم الكثيري

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img