حوار خاص|حاورها وأعدّه للنشر: مهدي منصور | مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع | العراق
لم تعد المهرجانات المسرحية تُقاس بعدد دوراتها أو حجم مشاركاتها فحسب، بل بقدرتها على تأسيس هوية فنية واضحة، وإنتاج تجربة ثقافية تترك أثراً في الذاكرة المسرحية. ويأتي مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع بوصفه تجربة تسعى إلى إعادة المسرح إلى الفضاء العام، وفتح مساحات جديدة للتفاعل بين العرض والجمهور والمكان.
وفي إطار الاستعدادات للدورة العاشرة من المهرجان، نحاور الباحثة والناقدة المسرحية العراقية الأستاذة الدكتورة زينب الأسدي، للوقوف عند قراءتها لمسيرة المهرجان عبر دوراته التسع الماضية، ومستوى التجارب المسرحية المشاركة، وإشكاليات توظيف فضاء الشارع، فضلاً عن رؤيتها لمستقبل المهرجان ودور النقد في تطوير مشروعه الفني والثقافي.
زينب الأسدي باحثة وناقدة مسرحية عراقية، ومدرس مساعد في كلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة، متخصصة في الدراسات المسرحية والنقد الفني والأدبي. تنطلق تجربتها البحثية من دراسة التحولات الجمالية والفكرية في الخطاب المسرحي، وعلاقة المسرح بالتراث والهوية والذاكرة الجمعية، فضلاً عن اهتمامها بالمقاربات الفلسفية والنقدية المعاصرة. شاركت في عدد من المهرجانات والملتقيات الثقافية والعلمية العربية والدولية، وتولت رئاسة هيئة النقد في الدورة الأولى من أيام تندوف السينمائية للأفلام القصيرة في الجزائر، كما شاركت في اللجنة النقدية لمهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع. تهتم في مشروعها النقدي بتحليل البنية البصرية والأدائية للعروض، وقراءة الأنساق الثقافية والاجتماعية التي ينتجها العمل الإبداعي. وترى أن النقد ليس إصداراً للأحكام أو إعادة وصف لما يقدمه المبدع، بل ممارسة معرفية وجمالية مستقلة، تتأسس على الخبرة والذائقة والحساسية الفنية والقدرة على مساءلة المنجز الإبداعي.
السؤال الأول:
بعد تسع دورات من مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع، كيف تقرئين اليوم هويته الفنية والثقافية؟ وهل استطاع المهرجان تأسيس خصوصية جمالية وفكرية تميّزه عن بقية المهرجانات المسرحية، أم أنه لا يزال يبحث عن هويته الخاصة؟
زينب الأسدي:
أقرأ مهرجان كركوك بوصفه تجربة تتجاوز حدود التظاهرة المسرحية إلى استعادة العلاقة بين الفن والفضاء الاجتماعي. فخصوصيته لا تنبع من تقديم العروض في الشارع فحسب، بل من إمكان تحويل المكان إلى حامل للذاكرة والهوية والتعبير الثقافي. ومع ذلك، فإن تراكم الدورات لا يعني اكتمال الهوية؛ إذ يحتاج المهرجان إلى مشروع جمالي وفكري واضح يحوّل الاستمرارية إلى تراكم معرفي، ويمنحه خصوصية تتجاوز جغرافيا المكان إلى طبيعة الخطاب المسرحي الذي ينتجه.
السؤال الثاني:
من خلال متابعتك للعروض المسرحية في الدورات السابقة، كيف تقيّمين المستوى الفني والجمالي للمشاركات؟ وهل نجحت التجارب في استثمار الشارع بوصفه لغة مسرحية مستقلة، لا مجرد فضاء بديل للمسرح التقليدي؟
زينب الأسدي:
تتفاوت التجارب في مستوياتها الجمالية، بين عروض استطاعت توظيف الفضاء المفتوح بوصفه عنصراً درامياً منتجاً للمعنى، وأخرى اكتفت بنقل العرض التقليدي إلى الشارع. فالشارع ليس خلفية مكانية، بل بنية بصرية واجتماعية تتفاعل مع الجسد والصوت والحركة والجمهور. وما أبحث عنه نقدياً ليس التفاعل الجماهيري وحده، بل قدرة العرض على إنتاج لغة مسرحية تستثمر خصوصية المكان وتعيد تشكيل علاقة المتلقي بالفعل الإبداعي.
السؤال الثالث:
مع دخول المهرجان دورته العاشرة، كيف تقيّمين مسيرته التنظيمية والفنية؟ وما الذي ينبغي مراجعته وتطويره في المرحلة المقبلة لضمان استمراريته والارتقاء بمستواه؟ وهل يمكن أن تكون الدورة العاشرة نقطة تحول في مشروعه المسرحي والنقدي؟
زينب الأسدي:
إن الوصول إلى الدورة العاشرة يمثل إنجازاً على مستوى الاستمرارية، لكنه يستدعي مراجعة تتجاوز الجانب التنظيمي إلى طبيعة المشروع الفني والنقدي. وأرى ضرورة تطوير معايير اختيار العروض، وتعزيز استقلالية اللجان النقدية، وتفعيل التوثيق والحوار المعرفي. فالناقد ليس جزءاً من الخطاب الاحتفائي للمهرجان، بل يمتلك مسؤولية جمالية وأخلاقية تقتضي قراءة التجارب بموضوعية واستقلال. لذلك ينبغي أن تكون الدورة العاشرة محطة لمساءلة المنجز وتأسيس أفق جديد للمستقبل.
تكشف رؤية الأستاذة الدكتورة زينب الأسدي أن قيمة مهرجان كركوك الدولي لمسرح الشارع لا تتوقف عند استمراره لعشر دورات، بل ترتبط بقدرته على تطوير لغته المسرحية وتحديد مشروعه الجمالي والفكري. فالشارع، في نظرها، ليس مجرد مساحة لاحتضان العروض، وإنما عنصر فاعل في تشكيل المعنى وإعادة بناء العلاقة بين المسرح والمجتمع.
وبين ضرورة المحافظة على التجربة وأهمية مراجعة منجزها، تظل الدورة العاشرة فرصة لإعادة طرح الأسئلة النقدية، وتعزيز استقلالية القراءة الفنية، والانتقال بالمهرجان من استمرارية التنظيم إلى تأسيس هوية مسرحية أكثر وضوحاً وعمقاً.
حاورها وأعدّه للنشر: مهدي منصور | Mahdi Mansour


