عُمان والبحر.. من إرث الملاحة إلى صناعة المستقبل

نشرت :

ما وراء المشهد

د. إسماعيل جابر

أستاذ جامعي في التاريخ  | كاتب صحفي  ومحلل سياسي | مستشار تعليم وتدريب

عُمان والبحر.. من إرث الملاحة إلى صناعة المستقبل

ليست كل دولة تطل على البحر دولةً بحرية بالمعنى الاستراتيجي؛ فامتلاك الساحل شيء، والقدرة على تحويله إلى قوة اقتصادية ومعرفية ومكانة دولية شيء آخر. فالجغرافيا تمنح الدول فرصاً، والتاريخ يصنع لها ذاكرة، لكن المؤسسات والمعرفة والقدرة على مواكبة التحولات هي التي تحدد ما تستطيع أن تصنعه من ذلك كله.

ولعل التجربة العُمانية تقدم مدخلاً مهماً لفهم هذه العلاقة. فالبحر لم يكن في تاريخ عُمان مجرد حدود مائية، بل كان طريقاً للتجارة والتواصل وبناء العلاقات مع شعوب وموانئ بعيدة. ومن خلاله امتدت الصلات العُمانية إلى سواحل شرق إفريقيا والهند ومناطق المحيط الهندي، وتشكلت روابط تجارية وثقافية وإنسانية تركت آثارها في التاريخ والمجتمع. لم يكن البحر، في هذه التجربة، حاجزاً يفصل عُمان عن العالم، بل نافذة تصلها به.

غير أن قيمة هذا الإرث لا تكمن في استدعاء أمجاده وحدها، وإنما في السؤال عما يمكن أن يضيفه إلى حاضر الدولة ومستقبلها. فالعالم الذي عرف السفن الشراعية والتجارة التقليدية لم يعد هو العالم الذي تتحرك فيه السفن العملاقة، وتتنافس فيه الموانئ، وتؤثر فيه البيانات والتقنيات الرقمية وسلاسل الإمداد في اتجاهات الاقتصاد والتجارة. لقد تغيرت أدوات القوة البحرية، ولم يعد الموقع الجغرافي وحده كافياً لصناعة المكانة.

في الثالث من نوفمبر من كل عام، تحتفل البحرية السلطانية العُمانية بيومها السنوي، إحياءً لذكرى تسلُّم رايتها. وهذه المناسبة تتيح قراءة مسار بناء مؤسسة وطنية ارتبط تطورها بأهمية الموقع البحري لعُمان واتساع مسؤولياتها. فقد بدأت النواة الأولى عام 1960 بتأسيس وحدة الدوريات الساحلية، ثم صدر المرسوم السلطاني في الأول من فبراير 1971 بإنشاء قوات سلطان عُمان البحرية. وفي أكتوبر 1976 تغير المسمى إلى بحرية سلطان عُمان، قبل اعتماد مسمى البحرية السلطانية العُمانية عام .1990

ولا تكمن دلالة هذا التسلسل في تطور الأسماء والهياكل الإدارية فحسب، بل في الانتقال التدريجي نحو بناء مؤسسة بحرية تتناسب مسؤولياتها مع طبيعة المجال الذي تعمل فيه. فحماية المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وتأمين المنشآت والموانئ، وإجراء المسح الهيدروغرافي، والبحث والإنقاذ، ومكافحة التلوث والتهريب والقرصنة، كلها مهام تتطلب جاهزية بشرية وتقنية ومؤسسية متكاملة.

ويكشف تطور منظومة الأمن البحري عن جانب آخر من هذا البناء. فمركز الأمن البحري، الذي أُنشئ عام 2013، وافتُتح مقره المخصص في ديسمبر 2018، يجسد أهمية التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية في إدارة التحديات البحرية. فالأمن البحري لم يعد مسؤولية جهة واحدة؛ بل أصبح منظومة تتداخل فيها المراقبة وتبادل المعلومات وسرعة الاستجابة وحماية البيئة والموارد والممرات الملاحية.

لكن البحر لا يُقرأ من زاوية الأمن وحده؛ فالموانئ هي الوجه الاقتصادي الأوسع لهذه العلاقة. ومن صلالة وصحار إلى الدقم وغيرها، تتعدد المواقع والأدوار ضمن منظومة تسعى إلى تعزيز حضور عُمان في حركة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية. ولم يعد الميناء الحديث مجرد مكان ترسو فيه السفن أو تُفرغ فيه البضائع؛ بل أصبح حلقة في شبكة اقتصادية تضم المناطق الصناعية والاقتصادية، وخدمات التخزين والتوزيع، والنقل، والتصنيع، وسلاسل الإمداد العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار تبرز الاستراتيجية اللوجستية الوطنية 2040، إلى جانب الدراسة الاستراتيجية لتطوير الموانئ العُمانية للفترة 2025–2040، المدرجة ضمن مشروعات وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. وتنبع أهمية هذه التوجهات من أنها تتجاوز التعامل مع الموانئ بوصفها منشآت منفصلة، إلى النظر إليها باعتبارها أجزاءً من منظومة لوجستية مترابطة، تتكامل فيها الموانئ والمناطق الاقتصادية والنقل والخدمات.

وهنا تظهر إحدى الحقائق التي تستحق التأمل: المنافسة البحرية المعاصرة لم تعد منافسة على الموقع وحده. فالموانئ تتنافس اليوم في كفاءة التشغيل، وسرعة الإجراءات، وجودة الخدمات، والربط الرقمي، وتكاليف النقل، والقدرة على الاندماج في سلاسل التوريد العالمية. وقد تمتلك الدولة موقعاً جغرافياً مميزاً، لكن القيمة الاقتصادية لهذا الموقع تتوقف على قدرتها على تحويله إلى خدمات موثوقة، واستثمارات منتجة، وشبكات تجارة ذات قيمة مضافة.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى عُمان بحكم إطلالتها على بحر العرب وبحر عُمان، وإشراف محافظة مسندم على مضيق هرمز. فهذه الجغرافيا تمنح البلاد أهمية في حركة التجارة والملاحة الدولية، لكنها تضعها أيضاً في قلب معادلة إقليمية ودولية تتصل بأمن الممرات البحرية واستقرارها، وبمصالح الدول التي تعتمد على هذه الطرق في نقل الطاقة والبضائع.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الدولة التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق إلى جمهورية الصين الشعبية يومي الأول والثاني من نوفمبر 2026 دلالة تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر. فقد شهدت الزيارة توقيع اتفاقية واحدة و14 مذكرة تفاهم وبروتوكول تعاون، تناولت مجالات متنوعة، من بينها التنمية الخضراء والعلوم والتكنولوجيا والابتكار والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطبيقات نظام «بيدو» للملاحة بالأقمار الصناعية، إلى جانب التعاون في السلاسل الصناعية وسلاسل التوريد.

ومن المهم هنا ألا نقرأ هذه الاتفاقيات باعتبارها جميعاً اتفاقيات بحرية أو لوجستية؛ فدلالتها الأوسع تكمن في تنوع الشراكات التي تسعى إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتقني. ومع ذلك، فإن التعاون المتصل بالسلاسل الصناعية وسلاسل التوريد يكتسب أهمية خاصة عند قراءته في سياق الموانئ والمناطق الاقتصادية والموقع العُماني بوصفه حلقة محتملة في شبكات الإنتاج والتجارة الدولية.

وتزداد هذه الدلالة وضوحاً عندما نستحضر ما أورده البيان العُماني الصيني المشترك عن العلاقات التاريخية بين البلدين، الممتدة لأكثر من 1200 عام، وعن التبادل الذي جرى عبر طريق الحرير البحري. فالماضي هنا لا يظهر باعتباره ذكرى منفصلة عن الحاضر، بل خلفية تاريخية لعلاقة تتجدد أدواتها ومجالاتها. وقد أكد البيان نفسه ضرورة استعادة حركة الملاحة الطبيعية والآمنة في مضيق هرمز، بما يبرز الصلة بين أمن الممرات البحرية واستقرار الاقتصاد العالمي.

لكن ثمة عنصراً قد لا يحظى دائماً بالاهتمام نفسه عند الحديث عن الأساطيل والموانئ والاستثمارات، وهو الإنسان. فالقوة البحرية الحديثة لا تُبنى بالبنية الأساسية وحدها؛ إنها تحتاج إلى مهندسين وخبراء في إدارة الموانئ والتشغيل والأمن والسلامة، ومتخصصين في النقل البحري والاقتصاد اللوجستي والتقنيات الرقمية وتحليل البيانات. كما تحتاج إلى مؤسسات تعليمية وبحثية تربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات الاقتصاد، وتعمل على إعداد كوادر قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.

ومن هنا يصبح التعليم والتدريب والبحث العلمي جزءاً من البنية الأساسية للاقتصاد البحري، لا نشاطاً مكملاً له. فالأرصفة والرافعات والسفن توفر الإمكانات المادية، لكن المعرفة والخبرة وكفاءة الإدارة والابتكار هي التي تحدد مقدار القيمة التي يمكن إنتاجها من تلك الإمكانات.

إن عُمان لا تبدأ اليوم اكتشاف علاقتها بالبحر؛ فتاريخها ومؤسساتها وموانئها وموقعها الجغرافي تشكل رصيداً مهماً. غير أن التحولات العالمية تطرح سؤالاً يتجاوز المحافظة على هذا الرصيد: كيف يمكن تعظيم قيمته، وربطه بالاقتصاد المعرفي، وتوسيع دوره في شبكات التجارة والإنتاج والملاحة الدولية؟

فالتاريخ يمنح الدول جذورها وذاكرتها، والجغرافيا تمنحها الفرص، أما المكانة في المستقبل فلا تصنعها الذاكرة وحدها، وإنما تصنعها القدرة على تحويل الإرث إلى معرفة، والموقع إلى قيمة، والمؤسسات إلى قوة فاعلة.

وهنا يظل السؤال: هل يكون البحر بالنسبة إلى عُمان امتداداً لتاريخها العريق فحسب، أم يصبح أحد المداخل الرئيسية لصناعة حضورها الاقتصادي والمعرفي والاستراتيجي في المستقبل؟

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img