عندما تشتد الأزمات في الإقليم، وتضيق الممرات البحرية، وتُهدد حركة الملاحة في الخليج، تعود الحقيقة لتفرض نفسها دون استئذان؛ حيث الجغرافيا الصامتة، التي كانت دائمًا خارج الحسابات، تصبح أول ما يُستدعى عند الخطر .
تلك هي ظفار التي لم تكن مجرد محافظة بعيدة عن مركز القرار، ولا هامشًا جغرافيًا على أطراف الدولة، بل موقع استثنائي يطل على بحر مفتوح، خارج اختناقات السياسة، وبعيد عن رهانات المضائق الضيقة التي طالما استُخدمت كورقة ضغط في صراعات القوى.
لقد أثبتت التجارب مرارًا أن الممرات التقليدية ليست آمنة كما يُفترض، وأن التعويل عليها وحدها ليس خيارًا استراتيجيًا حكيمًا. ومع كل تصعيد إقليمي تتجه الأنظار نحو ظفار، باعتبارها المتنفس القادر على إبقاء شريان الملاحة حيًا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بالحاح:
هل ما زالت ظفار مجرد خطة بديلة تُستدعى عند الضرورة؟
أم آن الأوان لأن تتحول إلى خيار استراتيجي دائم؟
إن ما تمتلكه ظفار اليوم من مقومات ليس بالقليل، فهناك موانئ قادرة على استقبال كبرى السفن، ومطار حديث بمواصفات دولية، وموقع جغرافي يمنحها ميزة نادرة في محيط مضطرب. ومع ذلك، ما تزال هذه الإمكانات تُدار ضمن سقف تقليدي لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تفرضها التحولات المتسارعة في المنطقة ، فالمشكلة لم تعد في توفر الإمكانات، بل في غياب الرؤية التي تعيد تعريف الدور. فالعالم لا ينتظر من يتحرك متأخرًا، بل يكافئ من يسبق الحدث ويصنع البديل قبل أن تُفرض عليه الضرورة. وإذا كانت الأزمات قد أثبتت أن ظفار قادرة على أن تكون ملاذًا آمنًا، فإن المنطق يقتضي أن تُبنى السياسات على هذا الأساس، لا أن تظل رهينة ردود الفعل.
إن تحويل ظفار إلى مركز لوجستي إقليمي ليس ترفًا تنمويًا، بل ضرورة سيادية، قرار يرتبط بأمن الدولة الاقتصادي، واستقرارها السياسي، وقدرتها على المناورة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
فحين تُغلق الممرات، لا يُسأل من كان يملك الإمكانية، بل من كان مستعدًا.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي،
هل ننتظر الأزمة القادمة لنكتشف مرة أخرى أن ظفار هي الحل؟
أم نمتلك الجرأة لإعادة ترتيب الأولويات، وننقلها من الهامش إلى قلب الاستراتيجية الوطنية؟
فالتاريخ لا يرحم المترددين،
والجغرافيا لا تمنح ميزاتها لمن لا يُحسن استثمارها.
وظفار لم تعد تحتمل أن تُعامَل كخيار مؤجل.
فهل يدرك القائمون على رسم الاستراتيجيات أهمية هذا الموقع الاستثنائي؟
أم ما زالوا يتراوحون في ذات المكان منذ سنوات؟
علي العايل


