راي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
في 28 فبراير 2026، بدأت حرب لم يكن أحد يتوقع سرعتها أو اتساعها ضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة (عملية «الغضب الملحمي» أمريكياً و«زئير الأسد» إسرائيلياً) استهدفت قيادات إيران العليا، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. ردت طهران بـ«الوعد الصادق 4»، وهي موجة صواريخ وطائرات مسيّرة طالت إسرائيل وقواعد أمريكية، ثم امتدت إلى دول الخليج ذاتها. أغلقت مضيق هرمز، وهددت الملاحة العالمية، وأصابت منشآت نفطية وغازية في السعودية والإمارات وقطر والكويت. اليوم، 14 أبريل 2026، نحن أمام هدنة هشة بعد مفاوضات مقلقه في إسلام آباد، وحصار بحري أمريكي على المضيق، وتهديدات متبادلة تجعل المنطقة على حافة اشتعال جديد. هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين طهران وواشنطن-تل أبيب؛ إنها كشفت – وعمّقت – انقساماً عربياً خليجياً يتجلى اليوم في وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل بأبشع صوره: تراشق يصل إلى حد الاتهام بالخيانة والانبطاح.
التراشق: من «خذلان عربي» إلى «انبطاح خليجي»
من جانب خليجي، يُسمع صوت واضح: «إيران ضربتنا، والبعض العرب يبررون أو يصمتون». مقالات في صحف خليجية وقنوات ووسائل التواصل تتحدث عن «خذلان» من نخب عربية إما باركت الرد الإيراني أو رأت فيه «دفاعاً مشروعاً». على إكس وإنستغرام، هاشتاجات مثل #إيرانضربتالخليج تتهم «الشارع العربي» بالانحياز لطهران لمجرد كره إسرائيل، وكأن أمن الخليج ليس جزءاً من الأمن العربي. بعض التعليقات الخليجية تصل إلى حد اتهام دول كبرى عربية بـ«الوقوف مع العدو» لأنهما لم يعلنا موقفاً حاداً ضد إيران وجميعها اراء تخضع لميزان الصواب والخطاء ولسنا من متبني اي من هذه الآراء باستثناء وقوفنا مع الحق العربي والخليجي من الجانب الآخر، يرد «العرب» ان الخليج يدفع ثمن تحالفه مع أمريكا و يُتهم بعض الدول الخليجية بـ«الانبطاح» لأنها سمحت باستخدام أراضيها أو أجوائها في الضربات، وهذا كان واضح بالعديد من الوسائل الاعلامية .
التراشق ليس مجرد «تويتر». إنه انعكاس لانقسام استراتيجي حقيقي:
في الخليج هناك منهم من يرى إيران تهديداً وجودياً: صواريخ على الرياض ودبي، وتهديد لمضيق هرمز الذي يمر منه 20% من النفط العالمي. الحرب أوقفت الطيران، أغلقت الأسواق، وكلفت مليارات بالنسبة لهم، التحالف مع أمريكا (حتى لو كان غير معلن) خيار بقاء.
اما بقية العرب (أو جزء كبير من الرأي العام) يرون الحرب امتداداً لـ«العدوان الأمريكي-الإسرائيلي» على محور المقاومة و إيران، رغم كل شيء، تدعم فلسطين وحزب الله والحوثيين فالصمت أو التعاطف مع طهران ليس حباً فيها، بل رفضاً لـ«الاستعمار الجديد» الذي يستخدم الخليج قاعدة.
هذا الانقسام ليس جديداً، لكنه تفجر الآن لأن الحرب ضربت «البيت العربي» مباشرة. الخليج يدفع الثمن الأكبر (اقتصادياً وأمنياً)، بينما يرى آخرون أن «الخليج يحصد ما زرعه». فالنتيجة: استقطاب إعلامي يُضعف الموقف العربي جميعاً لا صوت عربي موحد في الأمم المتحدة، ولا مبادرة خليجية وعربية موحده فقط تراشق يُسلّي الجمهور ويُغذّي الخوارزميات.
الخلاصة: الخاسر الأكبر هو «العرب» ككل
الحرب على إيران لم تنتهِ الهدنة هشة، والحصار البحري الأمريكي قد يعيد الاشتعال والتراشق الخليجي-العربي يُثبت أننا لا نزال نعيش في عقلية «المعسكرات» بدلاً من المصلحة المشتركة. الخليج محق في الدفاع عن أمنه، والعرب محقون في رفض حروب تُدمّر المنطقة. لكن الاتهام المتبادل بالخيانة لن يحمي مضيق هرمز، ولن يعيد غزة، ولن يوقف الاقتصاد المنهار.
آن الأوان لوقف التراشق والجلوس على طاولة واحدة. ليس حباً في إيران أو إسرائيل، بل حفاظاً على ما تبقى من استقرار عربي. فالنفط الخليجي والسكان العرب والموقع الجيوسياسي كلها أوراق واحدة. إما نلعب بها معاً، أو نترك الآخرين يحرقونها.
للنخب والمؤثرين والمسؤولين وأصحاب الراي السديد في الوطن العربي لا تصمتوا ثم تتكلموا متأخرين الصمت يُفسَّر على أنه موافقة أعلنوا موقفاً واضحاً يدين التصعيد من أي طرف، ويحمي أمن الخليج كجزء من الأمن العربي. و لا تستخدموا التراشق لتعزيز شعبيتكم: بعض المؤثرين يربحون متابعين بالهجوم على «الخليج» أو «النظام العربي». هذا ربح قصير الأجل على حساب استقرار طويل الأجل. كما يجب الدعوة لحوار مباشر بدل الردود المتشنجة، اقترحوا جلسات نقاش افتراضية أو حقيقية (حتى لو عبر زوم) بين كتاب خليجيين وعرب. التاريخ يثبت أن الحوار يقلل التراشق بنسبة 70% على الأقل. كما ان الأولوية أمن المنطقة فالخليج محق في الدفاع عن نفسه، وبقية العرب محقون في رفض حروب تدمر الاقتصاد والاستقرار. هذا ليس تناقضاً، بل واقع جيوسياسي. تذكروا درس 1990-1991 عندما غزت العراق الكويت، انقسم العرب… ثم دفع الجميع الثمن. اليوم الثمن أكبر.
فالتراشق ليس حرية رأي هو سلاح يُستخدم ضدنا النصيحة الأقوى هي كن صوتاً يجمع، لا صوتاً يُفرِّق.
حفظ الله الخليج والوطن العربي والإسلامي من كل شر …



