🖊️ ماجـد المرهـون
إذا كان الانسانُ هو النص فإن المكان هو الهامش حتى اذا استُؤنس هامش المكان على مدار زمنٍ طويل حولته عبقرية الإنسان إلى نصٍ يفيض بالحياة فيصبح النص والهامشُ جزءاً واحداً غير مُنفصل، وهكذا هي الأسواق التراثية التي لا يُقاس عمرها بحساب السنين التي تراكمت فوق احجار المكان وطينه وعلى اقواسهِ وبين جدرانه إلا بإعتبار الأنفاس والأرواح التي ترددت على ازقَّته وتعاقبت بين حناياه وتعايشت معه واعتاشت منه فعاش بها وانتعش معها، وليس ذلك إلا بفضل تلك الأيدي الخشنة والناعمة التي رحلت والأيدي الباقية التي استلمت ممن سبقها واستلهمت صياغة فن البقاء في صروف الظروف ثم واصلت نفخ الحياة في محلاته ودكاكينه.
يتجاوز مفهوم السوق التراثي والشعبي مادية المكان ويصل إلى جوهر الوجود الانساني ليغدو السوق مُختبرًا للقِيم ومعملًا للاخلاص والتفاني، قبل منفعةِ التبادل التجاري ووهم الجدران البالية إلى حقيقةٍ روحية ملموسة مع من يعمل به ويرتاده، وكثيرًا ما نخطئ في حصر التراث بين قوالب البناء او طقوس العِمارة، ومهما بلغت من اتقان فإنها تظل جسدًا هامدًا لا حياة فيه مالم تنبِض في عروقهِ النفس الانسانية المُتشربة بشعبوية المكان وثقافة الأرض والسكان المُتجذِّرة في كل ذرةٍ من جسده وعقلهِ وقلبه.
الجدران والحواري الضيقة هي الأوعية التي تحتضنُ الحكايات القديمة، وكل حكايةٍ تشرق عليها الشمس كتبها تاجر في مساء اعداد بضاعته وعند استيقاظة مُبكرًا لوضع لمسات اخراجها الأخيرة لعرضها، ولن يكتمل جهد الحرفي الذي طوَّع المواد الأولية ونسجها بعرق جبينهِ قبل يديه الكريمة وانامله المُبدعة إلا اذا اضفى المتسوق والمرتاد عليها قُدسية سعيه الى المكان وتفضيله له لما يلقي به في نفسهِ من أمنةٍ وسكينة، لأن السر ليس في تلك البسطة المتواضعة وذلك الدكان البسيط وانما في النيةِ الكامنة وراء البيع والشراء؛ إنها نيةُ الاعالة والتكافل في الأخذ والعطاء والعرض والطلب التي تحول العمل اليومي الرتيب إلى فعلٍ مبجَّل من افعال العبادةِ والكرامة الإنسانية وقلما نجدها في الأسواق الفخمة الحديثة ثلجية التكييف والمشاعر بأضواءها المُبهرجة وألوانها الجاذبة لدرجة التنافر، ولعل مكمن السر في الأسواق التراثية والشعبية هو ذلك الرجل الصابر وتلك المرأةِ المُكافحة واولئك الشباب الذين سيتعاقبون عليه في المُستقبل.
لقد لمست في سوق الحصن ومنذ طفولتي العلاقة العضوية الأصيلة بين الجهد والرزق، وشاهدتها في وجوه الباعة المواطنين وشممتها في العملة النقدية المُتنقلةٍ من يدٍ الى يد، ثم فهمت أن الإنسان هو المحرك الحقيقي، فإذا جردنا السوق من شخوصهِ الباعة وتلك الوجوه المُعتادة لتحول الى متحفٍ باردٍ وجبت إزالته، فيزول بزوالهم او إزالتهم الانتماء السحيق للمكان، ولعل هناك من سمع الخاطرة المأثورة كما سمعتها، وتقول: “من زار صلالة ولم يزر سوق الحصن فزيارته ناقصه” او كما قيل.
كل مجتمعٍ تقع على عاتقه اهمية الاحتفاء بالسوق التراثي او الشعبي في مدينتهِ المُزدحمة بالتطور والأسواق الحديثة، ويجب ان يوجه بوصلة تقديرهِ نحو الأب الذي اضناه الوقوف والأم التي اعياها التعب ونحو الشباب والشابات الذين سيواصلون المُهمة ويحملونها كما حملها من كان قلبهم.
إن سوق الحصن هو الحامل الاخير لإرثٍ تجاري اخلاقي مطبوع في ذاكرة كل من يعرفه، فأتركوا لنا آخر سوق قديم متبقي في محافظة ظفار واستبقوا ما تبقى منه لأننا لا نعتبره مجرد آلةٍ اقتصادية تُحركها أموال الاستثمار.


