مصدر الخبر: الوكالة العمانية
في خطوة تشريعية وحقوقية بالغة الأهمية، تعكس الإرادة السياسية العليا لتعزيز منظومة حقوق الإنسان في سلطنة عُمان ومواءمتها مع المعايير الدولية، جاء المرسوم السلطاني رقم (٤٧ / ٢٠٢٦) بإعادة تنظيم "اللجنة العمانية لحقوق الإنسان"، بمثابة إعادة هيكلة شاملة وتأسيس لمرحلة جديدة تتسم باستقلالية أوسع، وشفافية أعلى، وصلاحيات رقابية وميدانية متقدمة، مما يضع سلطنة عُمان في مصاف الدول التي تتبنى آليات وطنية قوية ومستقلة تتوافق بشكل وثيق مع "مبادئ باريس" الدولية المنظمة لعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
ومن أبرز التحولات الجوهرية التي أقرها النظام الجديد هو الضمانة القانونية المطلقة لاستقلالية اللجنة، وهو المطلب الأهم لنجاح أي مؤسسة حقوقية في العالم. فقد نصت المادة الحادية عشرة صراحة على تمتع اللجنة بـ "الاستقلال التام في ممارسة أنشطتها المتصلة بحقوق الإنسان"، مع توفير حصانة موضوعية تمنع التدخل في أعمالها أو مؤاخذة أعضائها على ما يبدونه من آراء.
ومنحت المادة التاسعة أعضاء اللجنة الحق الحصري في انتخاب الرئيس ونائبه من بينهم في أول اجتماع لهم، مع اشتراط بأن يكونا من "غير ممثلي وحدات الجهاز الإداري للدولة"، وهذا التوجه تعزز بشكل قاطع في المادة الثامنة عشرة التي أقرت مشاركة ممثلي الجهات الحكومية في اجتماعات اللجنة، ولكن "دون أن يكون لهم حق التصويت".
وفيما يخص البنية الهيكلية للجنة، حدد النظام في مادته الأولى التشكيل بأربعة عشر عضوًا، على أن يكون التوازن حاضرًا بضمان ألا يزيد عدد ممثلي الحكومة عن أربعة أعضاء فقط، على أن تتسم إجراءات الاختيار بالشفافية، والتعددية، والتنوع، والتنافس بين المرشحين.
ولم يغفل المشرّع العُماني أهمية إشراك كافة فئات المجتمع، حيث نصت ذات المادة على وجوب أن يشمل التشكيل "تمثيلًا مناسبًا للمرأة"، مما يعزز من حضور المرأة العمانية في مراكز صنع القرار الحقوقي وتوجيه السياسات الوطنية، كما وضعت المادة الثالثة اشتراطات مهنية دقيقة لضمان كفاءة الأعضاء، أبرزها ألا يقل العمر عن ثلاثين عامًا، والحصول على مؤهل جامعي أو ما يعادله، فضلًا عن امتلاك خبرة عملية لا تقل عن ثمانية أعوام في مجالات ذات صلة بحقوق الإنسان، مما يضمن أن تكون اللجنة بيت خبرة وطني متخصص واحترافي.
ومُنحت اللجنة حق إجراء الزيارات الميدانية "المعلنة وغير المعلنة" للسجون، وأماكن الاحتجاز، والمؤسسات الصحية، والتجمعات العمالية، بهدف رصد أوضاع حقوق الإنسان فيها، وإلى جانب ذلك، أُنيطت باللجنة مهام تلقي الشكاوى ودراستها، ورصد أي مخالفات أو تجاوزات حقوقية في سلطنة عُمان والعمل على المساعدة في تسويتها وحلها.
وكلفت المادة السادسة عشرة اللجنة برصد ما تثيره الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية ووسائل الإعلام من ملاحظات وانتقادات، والتنسيق مع الجهات المعنية للتحقق منها والرد عليها بشكل منهجي، بالإضافة إلى دورها المحوري في تقديم المشورة للحكومة بشأن إعداد التقارير الدولية، والتوصية بالتصديق أو الانضمام للاتفاقيات والمواثيق الدولية التي لم تنضم إليها سلطنة عُمان بعد، مما يساهم في إبقاء التشريعات العمانية في حالة تحديث مستمر ومواءمة مع التطورات الحقوقية العالمية.
وجاءت المادة العشرون لتضع التزامًا قانونيًا واضحًا على كافة وحدات الجهاز الإداري للدولة بتيسير أعمال اللجنة، وتزويدها الفوري بما تطلبه من بيانات ومعلومات تتصل باختصاصاتها.
وألزمت المادة الحادية والعشرون اللجنة بإعداد تقرير سنوي شامل ومفصل عن جهودها وأنشطتها وما تراه من اقتراحات يُرفع مباشرة إلى المقام السامي لجلالة السلطان المعظم /حفظه الله ورعاه/، وتُرسل نسخ منه إلى مجلس الوزراء، ومجلس الدولة، ومجلس الشورى.
وبالنظام الجديد أصبحت اللجنة العمانية لحقوق الإنسان مؤهلة للحصول على أرفع التصنيفات الدولية /التصنيف أ/ لدى التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.


