مصدر الخبر: الوكالة العمانية
يحول الشاعر الأردني حسين جلعاد في ديوانه "ورود يوم القيامة"، تجربة غزة تحت وطأة الحرب إلى استعارة شعرية وإنسانية مكثفة، تجمع بين الألم اليومي والأمل بالانبعاث.
وفي وقت غرقَ فيه العالم بفيض من الصور الرقمية والمقاطع المصورة التي وثقت الحرب على قطاع غزة، اختار جلعاد أن يذهب إلى ما هو أبعد من عدسة الكاميرا، ليقدم في عمله الأدبي هذا ما وصفه بأنه "البصمة الوراثية للمأساة".
جاء الديوان الصادر عن "الأهلية للنشر والتوزيع" بالأردن، في 160 صفحة من القطع المتوسط، استهله الشاعر بإهداء مكثف يختصر بوصلة العمل: "إلى غزة وأهل غزة والصبح إذا تنفّس". وهو عمل لا يكتفي برصد الموت كحدث عابر، بل يحاول استنطاق الروح الإنسانية في ذروة فاجعتها، محولاً الأرقام الصمّاء في نشرات الأخبار إلى وجوه وتفاصيل وحكايات تنبض بالحياة.
يرتب جلعاد عمله في بنية هندسية لافتة، مقسمًا إياه إلى أربعة أجزاء أو "باقات" شعرية، تبدو وكأنها محطات في رحلة وجودية كبرى. تبدأ الرحلة بـ "على حافة النفق"، حيث القلق والترقب، مرورًا بـ "خزائن الثياب" التي تستحضر الأثر الإنساني المتروك خلف الركام، ثم "شعبٌ في الاستعارة" الذي يفكك مفهوم الهوية والمقاومة الرمزية، وصولاً إلى "قصيدة لا تنتهي"، في إشارة إلى استمرارية الوجع وانبعاث الأمل في آن واحد.
وفي حديث لوكالة الأنباء العمانية بمناسبة صدور الديوان، يقول جلعاد: "هذه الثنائية في العنوان هي جوهر المأساة والمعجزة في آن واحد. حين اخترت (ورود يوم القيامة) كنت أحاول القبض على تلك اللحظة التي يمتزج فيها الدم بالورد، والفناء بالانبعاث".
ويضيف جلعاد، الذي عرفه المشهد الثقافي العربي بصوته الرصين واشتغاله على التفاصيل السوسيو-ثقافية: "القيامة هنا ليست المفهوم الميتافزيقي المؤجل، بل هي حالة يومية عاشها الناس تحت القصف، حيث تهوي خزائن الثياب وتتناثر الأحذية تحت ركام المنازل. أما الورود، فهي الاستعارة التي تليق بهؤلاء الضحايا".
ويتابع الشاعر: "كتبت هذا الديوان من داخل البيت المقصوف، لا من خارجه. أردت أن أحول الرعب اليومي إلى مادة شعرية ترفض المحو. وحرصت على أن تظهر غزة فيه ككيان حي يتنفس ويترقب".
ويطرح الديوان تساؤلًا جوهريًا حول دور الشعر في عصر "التوثيق الكلي"، حيث يرى جلعاد أن الكاميرا رغم دقتها قد تصيب المشاهد بـ"التخدُّر" نتيجة تكرار مشاهد الفظاعة. ويقول: "التوثيق يخاطب العين، والقصيدة تخاطب شيئًا أعمق. التوثيق يحفظ الحدث، لكن الشعر يحفظ الروح".
ويتابع موضحًا فرادة النص الشعري أمام سطوة الصورة: "القصيدة هي البصمة الوراثية للمأساة؛ كل الوسائل الأخرى تصف جسد الحدث، أما الشعر فهو يحمل شيفرة روحه التي لا تتغير بمرور الزمن. القصيدة هي الشيء الوحيد الذي يقاوم تمرير الإصبع على الشاشة، لأنها تطلب منك أن تتوقف وتواجه الفظاعة بصفتها تجربة شخصية لا مجرد رقم".
ويكشف جلعاد أن الكثير من نصوص الديوان وُلدت من صور واقعية حادة صهرها في بوتقة الخيال الشعري ليعيد إنتاجها بـ “بلاغة الأرض". ومن بين تلك الصور التي تسكن "عَظْمَ الديوان"، صورة رجل يحمل كيسًا أسود من النايلون.
يقول جلعاد بنبرة يملؤها التأثر: "رأيت رجلًا يحمل كيسًا ليس فيه بضاعة، بل أشلاء ابنه، وكان يحمله بحنّية مذهلة تخشى عليه من السقوط. هذا الكيس الأسود أصبح بيتاً، أصبح هو العائلة كلها. لم أخترع شيئًا، بل أخذت ما رأيت ووضعته في القصيدة بأمانة الشاهد الذي يضع يده على المصحف".
ورغم أن الديوان كُتب تحت وطأة الحدث المباشر، إلا أن جلعاد حرص على "حراسة التفاصيل" بعيدًا عن الشعارات الزاعقة. فالقصيدة عنده تبدأ من "جديلة البنت التي كانت تلمّها قبل الصلاة" ومن "رائحة أحواض النعناع قبل أن تطمرها الأتربة".
وعن التحدي الجمالي في كتابة الموت، يوضح جلعاد: "كان الخوف الحقيقي ليس في الفشل في الوصف، بل في وصف الأمر بطريقة خاطئة؛ أن تتحول الفظاعة إلى مشهد استهلاكي مريح. الرهافة الشعرية هنا ليست ترفاً، بل هي الطريقة الوحيدة لجعل القارئ يشعر بثقل ما يقرأ".
ويختتم جلعاد تصريحه بالإشارة إلى أن الشعر في لحظات الإبادة يتحول إلى "خندق أخير"، مؤكدًا أن "بلاغة الأرض أقوى من ترسانة المحو"، وأن ديوانه "ورود يوم القيامة" هو محاولة لترميم ما هدمه الركام، وإثبات أن الجمال الذي ينبت من رحم التضحية هو "الدليل الأقوى على هزيمة الفناء".
يُذكر أن جلعاد قاص وناقد وصحفي أيضًا، وُلد عام 1970، عمل في صحف ومنابر إعلامية منها "الجزيرة نت" و"الرأي" و"العرب اليوم" الأردنيتين، وكتب في "القدس العربي" و"النهار"، وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين.
اختير جلعاد عام 2006 سفيرًا للشعر الأردني لدى حركة شعراء العالم، وهي منظمة أدبية مقرها في تشيلي وتضم في عضويتها آلاف الشعراء، كما اختارته مؤسسة "هاي فِسْتِيفَل" بالتعاون مع اليونسكو ووزارة الثقافة اللبنانية ضمن أفضل 39 كاتبًا شابًا في العالم العربي والمهجر (جائزة بيروت 39) بمناسبة اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009.
العمانية/النشرة الثقافية/ جعفر العقيلي


