د. محمد بن عوض المشيخي **
الأزمات الطاحنة تحتاج إلى قيادات مُحنَّكة وجريئة في فهم الأزمات والتصدي لها بحكمة واقتدار وبشكل سريع وعاجل بهدف تجنبها إذا أمكن ذلك؛ بما يضمن التقليل من تأثيراتها المدمرة على المجتمع أو على الأقل التخفيف من أضرارها الكارثية.
ومن البديهيات أن يكون من يُديرها من المسؤولين على دراية تامة بعلم إدارة الأزمات ليس بالضرورة أن يكون ذلك من خلال دراسات أكاديمية مطولة؛ بل من خلال برامج تطبيقية وميدانية قصيرة لا تتجاوز أيامًا أو أسابيع، على أن تتضمن تلك الدورات المتقدمة تجارب ناجحة في هذا العلم التخصصي الذي لو استوعبنا مفاتيحه الأساسية لنجحنا في انقاذ الأرواح والبنى الأساسية التي تشكل العمود الفقري للتنمية المستدامة في أي بلد من البلدان، خاصة تلك التي تتعرض بشكل مستمر للأزمات والكوارث الطبيعة كالحروب والانواء المناخية والأمراض الفتاكة والأوبئة مثل كوفيد-19 على سبيل المثال. وبالفعل نحتاج أشخاصًا غير عاديين مُختارين بعناية، يتمتعون بسُمعة عالية وخبرة فريدة في مجال حل المعضلات التي أُسندت إليهم، فتقديم الحلول الواقعية والمنطقية القائمة على الدراسات العلمية والتجارب المحلية والعالمية غايةٌ أساسية للقائمين على تلك الملفات الساخنة.
وعلم إدارة الأزمات يعتمد بالدرجة الأولى على عدة مقومات أساسية تبدأ بما يعرف بالدراسات الاستشرافية والتنبؤ بوقوع الكوارث والصراعات مرورًا بمحاولة احتوائها والاستعداد التام لها ميدانيًا، وصولًا إلى المحطة الأخيرة والمتمثلة في الاستفادة من الدروس والتعلم من الأخطاء إن وجدت؛ لكون ذلك من أهم المحطات التي تساعد على التغلب والسيطرة على الأزمات والكوارث الطبيعية في كل زمان ومكان في هذا المجال. ولا يقصد هنا تحميل أي من الأطراف المسؤولية عن الإخفاقات التي حدثت دون قصد؛ بل الهدف الرئيس هو تجنب تلك الأخطاء في أزمات أخرى قادمة.
وكنت دائمًا أسأل نفسي سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يُعقد مؤتمر وطني عام بعد أي كارثة أو حرب؟!
والغاية من ذلك بالطبع استخلص العِبَر والوقوف على أسبابها. فعلى سبيل المثال تمنيت أن يعقد اجتماع لمختلف الأطراف التي لها علاقة بأضرار إعصار “شاهين” في الباطنة، مباشرة بعد تلك الأنواء المناخية المؤلمة آنذاك، بحيث يضم الوزارات المختصة بتوزيع الأراضي وتلك التي تخطط الطرق والشوارع، إضافة المجتمع المحلي، وكذلك المتضررين من المواطنين الذين غرقت منازلهم ومزارعهم جراء الأمطار الغزيرة، على أن تُبث تلك المناقشات الجادة عبر وسائل الإعلام. والهدف النهائي لذلك هو عدم تكرار توزيع الأرضي في الأماكن المنخفضة ومجاري الأودية، مع إعادة تخطيط الشوارع في مختلف الولايات وبناء الجسور الآمنة على الأودية العميقة.
من جهة ثانية، من المؤسف أن يكون اقليمنا مسرحًا لخمس حروب مدمرة خلال أربعة عقود بداية من الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت 8 سنوات، مرورًا بحرب تحرير الكويت، وحرب احتلال العراق عام 2003، ووصولًا إلى الحرب الحالية التي لم تعرف المنطقة مثيلًا لها من قبل؛ حيث تعرضت دول الخليج جميعها للاستهداف بالطائرات المسيرة التي بلغ عددها في بعض الدول إلى أكثر من 1900 مسيرة، كما أن هناك من حلت عليه مصيبة الصواريخ البالستية التي هي أكثر تدميرًا من الطائرات المسيرة الانقضاضية، على الرغم بأن دول مجلس التعاون بذلت جهودًا جبارة لإيقاف هذه الحرب. وعلى الرغم من ذلك تعرَّض أمنها القومي للخطر والعدوان في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
وفي الختام.. يبدو لي أن بعض صناع القرار لا يهتمون بالاستعداد للأزمات من حيث استقراء المستقبل، ولا يُعيرون ذلك أي أهمية، وبالتالي تكون المعالجة أقرب منها للعشوائية في كل أزمة؛ إذ نحتاج دائمًا للعمل وبشكل عاجل على تصحيح الأمور لمواكبة الأحداث، خاصة في مجال توعية الجمهور بما يدور حولهم وتبصيرهم بالقرارات الاستراتيجية التي تخدم الأهداف الوطنية، وذلك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. وكما تابعنا بعض أعضاء مجلس الشورى الذين أشاروا إلى عدم رضاهم عن التغطية الإعلامية العالمية والزخم غير المسبوق والذي يُكرِّس عن جهل “وكأن دولة واحدة هي التي تشرف على مضيق هرمز”؛ متجاهلين بذلك موقع سلطنة عُمان الجغرافي في إدارة مياهها الإقليمية وإنقاذها لمن يطلب المساعدة من العابرين في الجانب العُماني من المضيق.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري


