خالد بن حمد الرواحي
ليس كل دعمٍ يُقاس بما يُقدَّم، فبعضه قد يكلّف أكثر مما يمنح. فبعض أشكال الرعاية أو المساهمة تبدو في ظاهرها مبادراتٍ إيجابية، لكنها تفتح أسئلةً أعمق تتعلق بحدود الاختصاص، وحياد القرار، وطبيعة العلاقة بين الجهة العامة ومن يتعامل معها. وهنا لا يكون النقاش في قيمة المبلغ، بل في قيمة المبدأ.
فلكل جهة حكومية دور وُجدت لأجله، واختصاص حُدد لها، وموارد خُصصت لتؤدي مهمتها الأساسية بكفاءة. وحين تُوجَّه الجهود إلى هذا المسار، تتضح المسؤولية، ويسهل قياس الأداء، وتنعكس النتائج على جودة الخدمة العامة. أما حين تنشغل بعض الجهات بأنشطة بعيدة عن جوهر اختصاصها، فإنَّ السؤال لا يكون عمّا أُنجز فيها، بل عمّا تأخر بسببها؛ فالوقت المؤسسي موردٌ ثمين، والطاقة المتاحة محدودة، والانشغال بمهام جانبية قد لا يبدو مكلفًا في بدايته، لكنه يستنزف الاهتمام، ويبعثر الأولويات، ويؤخر ملفات أكثر اتصالًا بحاجات الناس ومصالحهم. وبعض الجهات لا تتراجع لأنها عجزت عن أداء دورها، بل لأنها انشغلت بأدوار ليست لها.
وتزداد المسألة حساسية حين تُموَّل بعض تلك الأنشطة أو المناسبات من منشآت ترتبط أصلًا بعلاقة عمل مع الجهة، أو تنتظر منها خدمة، أو تمر عبر قراراتها وإجراءاتها. هنا لا يقف الأمر عند حدود الرعاية، بل يدخل في مساحة دقيقة تتصل بتضارب المصالح، أو بما قد يُفهم على أنه تأثير غير مباشر في الحياد الواجب توافره. فالثقة العامة لا يضعفها الخطأ وحده، بل تضعفها أيضًا الشبهة التي كان يمكن تجنبها.
والقطاع الخاص شريكٌ أساسي في التنمية، ودعمه للمبادرات الوطنية محل ترحيب حين يكون في مساره الصحيح، لكن العلاقة بينه وبين الجهات الخدمية تحتاج دائمًا إلى أطر واضحة تحمي الطرفين معًا. فلا تُترك المسألة لاجتهادات فردية، ولا تُدار بمعايير متفاوتة، ولا تتحول المساهمة إلى باب يثير أسئلةً أكثر مما يقدّم من منفعة.
ومن هنا يبرز الدور الحيوي للأجهزة الرقابية، ووحدات التدقيق الداخلي، والأطر المنظمة للعمل المؤسسي. فمهمتها لا تبدأ بعد وقوع المشكلة، بل قبلها؛ عبر بناء الضوابط، ومراجعة الممارسات، وقياس المخاطر، وضمان أن أي دعم أو شراكة يتم وفق قواعد شفافة ومعلنة، تصون المال العام وتحمي نزاهة القرار الإداري. كما أن الحوكمة الحقيقية لا تعني رفض كل مبادرة، ولا إغلاق أبواب التعاون، بل تعني وضع كل شيء في موضعه الصحيح. فما يدخل في اختصاص الجهة يُدار وفق أولوياتها، وما يحتاج إلى شراكة يُنظم بضوابطه، وما يثير شبهة يُغلق من بابه أصلًا. فالمؤسسات القوية لا تُبنى بحسن النية وحدها، بل بحسن التنظيم أيضًا.
وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في بعض أشكال الدعم ما يُقدَّم فيها، بل ما قد يُفقد بسببها من ثقةٍ عامة، أو حيادٍ مؤسسي، أو وضوحٍ كان جديرًا أن يبقى محفوظًا. ولذلك، فإن بعض الدعم حين يغيب تنظيمه… يصبح ثمنه أكبر من قيمته.


