مختصون: تكامل النص والصورة يعزز جودة كتاب الطفل ويرسخ أثره المعرفي

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

يعد أدب الطفل من الأجناس الأدبية المهمة التي تؤدي دورًا في تنشئة الأجيال وتربيتها، وتطوير مهاراتها وتثقيفها، بما يُنمي قدرات الطفل الفكرية واللغوية، ويوقظ خياله ووعيه بما حوله؛ إذ لم يعد هذا الأدب مقتصرًا على الحكايات البسيطة، بل أصبح مشروعًا معرفيًّا وجماليًّا متكاملًا يجمع بين الكلمة والصورة، ويلبي احتياجات الطفل الترفيهية والتعليمية في آن واحد.ويؤكد عددٌ من المختصين في كتابات أدب الطفل، أن نجاح كتاب الطفل لا يقاس بكمّ المعلومات التي يقدمها، بل بقدرته على إثارة التساؤل وتنمية التفكير وإيجاد تجربة قرائية متكاملة تترسخ في ذاكرة الطفل وتلازمه في مراحله العمرية المختلفة.وقالت الدكتورة أميرة بنت علي البلوشي، كاتبة في أدب الطفل: إن كتاب الطفل لا يصبح كنزًا معرفيًّا لمجرد أنه يحمل معلومة، بل لأنه يُصنع بروحٍ واعية، وبحبٍ حقيقي للتفاصيل الصغيرة التي قد لا ينتبه لها الكثيرون، لكنها تصنع الأثر الأكبر في وجدان الطفل. موضحة أن الكتاب المصمم بعناية نصًّا ورسماً وإخراجًا، لا يقدّم محتوى عابرًا يُستهلك ثم يُنسى، بل يُوجِد علاقة حميمة بين الطفل والكلمة، وبين الطفل والصورة، وبين الطفل والعالم من حوله، وهنا يكمن سره الحقيقي: أنه لا يزاحم طوفان المعلومات بالكم، بل يتفوق عليه بالعمق، وبقدرته على البقاء في الذاكرة والوجدان.وذكرت أن أنطوان دو سانت إكزوبيري لخّص هذه الفكرة حين قال: "إنما نرى جيدًا بالقلب، فالعين لا تُبصر جوهر الأشياء"؛ فكتاب الطفل الحقيقي لا يخاطب العين وحدها، بل القلب والعقل معًا، ولهذا يبقى الكتاب الجميل شهادة حية على أن الإبداع الذي يبدأ من أدق التفاصيل هو وحده القادر على أن يُورَّث من جيل إلى جيل".وأشارت إلى أن نصوص أدب الطفل حين تُكتب بصدق ووعي تستطيع أن تغرس في الطفل بذور التفكير المستدام القائم على الفضول والتأمل وطرح الأسئلة والبحث عن المعنى؛ فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى إجابات جاهزة بقدر حاجته إلى نص يفتح له نافذة للتفكير، ويمنحه فرصة لأن يرى العالم بعين متسائلة ومندهشة.وأضافت أن السؤال هو بداية كل معرفة حقيقية، وهو ما ينبغي أن يزرعه أدب الطفل في وجدان الصغار بما يجعله أداة لبناء عقل لا يكتفي بالاستهلاك السريع للمعلومة، بل يتعلم كيف يتأملها ويختبرها ويعيد اكتشافها بطريقته الخاصة. لافتة أن جوهر الاستدامة المعرفية الحقيقي: أن نربي طفلًا لا يحفظ العالم فقط، بل يفكر فيه.وتابعت: إن الكتابة للطفل من أصعب أنواع الكتابة؛ لأنها تحتاج إلى لغة واضحة ومشبعة بالمعنى وتحترم ذكاءه وتلامس خياله، وإلى فكرة عميقة تصل بسلاسة وصدق. مؤكدة أن الكاتب الناجح في هذا المجال لا يكتب من موقع الوعظ، بل من مساحة قريبة من الطفل، يفهم دهشته ويخاطب فضوله، ويقدّم له الفكرة بلغة خفيفة وأثر عميق، فالكتابة للطفل ليست اختزالًا للفكرة، بل تكثيفًا لها في صورة أكثر صفاءً ودفئًا.وأوضحت الدكتورة عزاء بنت هلال الشيباني، كاتبة في أدب الطفل: "إن الكتابة في أدب الطفل هي هندسة وجدانية يقوم فيها الكاتب بهندسة النص لضمان تحقيق توازن بين الهوية الثقافية وبين الدهشة الفنية التي تتيح للطفل أن يسرح بخياله ويوسع آفاقه، وتعد هذه الموازنة من أبرز التحديات في مجال الكتابة، فالهوية الثقافية ليست مجرد دروس تاريخية جامدة تسرد، بل معاني يكتسبها الطفل وهو منغمس في قراءته للنص، ويعتمد تحقيق ذلك على استحضار الكاتب للموروث الثقافي بقالب يستطيع من خلاله الطفل أن يشعر بمورثه كجزءٍ من واقع يشعره بالانتماء إلى هذا الموروث ويعمّق ارتباطه بهويته ويحفزه على إعادة اكتشافها برؤية معاصر".وبينت أن البصمة هي العنصر المكمل للهندسة الوجدانية التي تقدم العمل بطريقة تمنحه قدراً من الدهشة البصرية عبر تصميم جمالي للرسوم والألوان والتنسيق البصري بأسلوب مبتكر وغير تقليدي وينسجم مع مضمون النص الثقافي، كما يتعمق أثر هذه البصمة بإضافة أبعاد رمزية تُمكّن الطفل من تنمية ذكاءه البصري؛ فتقرأ عيناه ما لم تكتبه الكلمات، وتثير لديه ملكة التفكير والتأويل الذي تذهب بخياله إلى تساؤلات لا نهائية تتشعب في عوالم الدهشة، وتوقظ لديه فضول المعنى الكامن وراء النص.وأكدت على ضرورة أن يحرص الكاتب في كتاباته لأدب الطفل على أن يكون النص عابرًا للأجيال؛ فما يقرأه طفل اليوم يكون مناسبًا أن يقرأه طفل آخر بعد 20 عامًا، ولا يتأتى ذلك إلا بامتلاك النص مجموعة من الخصائص تجعل منه نصًّا خالدًا، ومن بينها الانطلاق من قيم إنسانية مشتركة بين الأجيال مثل الحب والخوف والصداقة والفقد وغيرها.وأشارت إلى أن احتواء النص على عنصر المفاجأة في السرد، والخيال غير المتوقع والصور البصرية التي تبقى عالقة في ذهن الطفل مثل الغابة والرحلة والصندوق والقفل، قد تسهم في ترسيخ التجربة القرائية في ذاكرته وتدفعه إلى العودة إليه واكتشاف معانٍ جديدة في كل قراءة، كما أن لغة النص لها دور كبير في جعل الكتاب خالدًا إذ تكون بإيقاع لغوي جميل وصور بلاغية خفيفة وعبارات قابلة للتذكر لتصبح اللغة جزءًا من ذاكرة الطفل، مؤكدة أن قابلية النص للتأويل يفسح المجال للأجيال بأن تفسره بما يتناسب مع واقعهم، فيعيد كل جيل قراءته وفق منظومته القيمية وخبراته الحياتية، مما يمنحه طابعًا متجدّدًا وقادرًا على الاستمرار، ويجعل معانيه مفتوحة على احتمالات متعددة لا تنغلق عند دلالة واحدة، بل تتسع لتواكب تحوّلات الزمان والمكان.من جانبها، قالت مريم بنت علي القمشوعي رسامة وناشرة كتب أطفال: إن الرسوم هي أساس كتاب الطفل؛ فهي تروي تفاصيل القصة وتواكب أحداث الحكاية، لذلك نجد اهتمامًا كبيرًا من الناشرين بالرسوم وتوظيفها بما يخدم النص القصصي المصاحب للقصة، كما تسهم الصورة في قصص الأطفال في تعزيز الحس البصري للطفل وتوسيع خياله ومداركه.وأوضحت أن الرسومات في كتب الأطفال قادرة على حمل رسالة متكاملة بشرط أن يدرك الرسام والناشر أن الطفل "قارئ بصري" ذكي يقرأ الخطوط والمساحات كما يقرأ الكلمات تماماً. لافتة إلى أن الرسومات الناجحة هي التي تحترم عقل الطفل وتتكامل مع النص الموجود في الكتاب.وعن العناصر البصرية التي يجب أن تحضر لتشكّل وجدان الطفل وتُنمّي خياله، ترى أن الرسومات التي تبهر الطفل هي التي تختلف تمامًا عن الرسومات ذات الألوان المشعة التي يشاهدها بشكل مستمر في التطبيقات الإلكترونية؛ لذلك يستخدم الرسامون تقنيات يدوية مثل الألوان المائية والكولاج والفحم والتحبير، وحتى في البرامج الرقمية. موضحة أن تلك الرسوم تحمل مجموعة من العناصر مثل المنظور غير التقليدي والرمزية والغموض المحفز والتفاصيل التي تحمل مشاعر إنسانية من حيث الألوان والخطوط التعبيرية، بما يلمس وجدان الطفل ويظل عالقًا في ذاكرته حتى بعد أن يكبر.وبينت أنه مع انتشار الشاشات والذكاء الاصطناعي تعدّ صناعة كتاب الطفل اليوم تحدياً حقيقيًّا ومغامرة فنية في آن واحد؛ لأن الطفل المعاصر يمتلك ذائقة بصرية معقدة، لذلك يجب ابتكار لغة بصرية ونفسية تتفوق في دهشتها على بريق الأجهزة، وتعيد بناء علاقة ملموسة وحسية بين الطفل والورقة في زمن الافتراض.وأوضح الدكتور عامر بن محمد العيسري أستاذ مساعد للتربية المبكرة في كلية التربية بجامعة السُّلطان قابوس والمتخصص في أدب الطفل، عن مدى قدرة كتاب الطفل على تقديم منتج ثقافي مستدام يعكس اهتمام المجتمع بصناعة وعي أطفاله حيث قال: إن عملية التثقيف للإنسان لا تتوقف عند سن معين، إلا أن أولى خطوات بناء الإنسان ثقافيًّا تبدأ من مرحلة الطفولة، فما يناله الطفل من اهتمام تثقيفي مبكر سيكون له أثره الإيجابي على مستقبل حياته، وأن الطفل اجتماعي بطبعه يتأثر بمن حوله وبناء مخزونه المعرفي والثقافي يمكن تشييده بعدة وسائل تثقيف متنوعة ومتوائمة مع تطور المعارف وثورة الاتصالات وإتاحة المعلومات بسهولة؛ لهذا فالمسؤوليات كبيرة على عاتق المؤسسات للاهتمام بتقديم ثقافة ملائمة للأطفال تحافظ على هويته الثقافية، فكلما تناسقت الجهود وانسجمت في قيمها وأساليبها تصبح التنشئة الثقافية للطفل منبعًا لتدفق الطاقات الإبداعية والازدهار بحياته وحياة مجتمعه.وأشار إلى أن كتاب الطفل أولى بواكير التنشئة التي يمتزج فيها الخيال والإبداع باللغة، حيث تُقدم المعرفة للطفل بأسلوب بسيط وجذاب، ومن خلال القصص وما تحتويه من صور ورسومات معبرة يبدأ الطفل في اكتشاف العالم من حوله، وبناء مفرداته الأولى لتقوده في خطوات منتظمة إلى التعبير عن أفكاره وبناء علاقة صديقة مع القراءة تصاحبه طوال مراحله العمرية، فتنمو أفكاره واتجاهاته ومعارفه شيئًا فشيئًا حتى ينعكس ذلك على منجزاته وفاعليته في بلده ومحيطه.ولفت إلى أن دور الثقافة المقدمة للأطفال تتضح في المساهمة الفاعلة للمحتوى الثقافي بقوالبه الأدبية والقصصية والشعرية، وتهيئة للطفل بيئة خصبة من النمو العقلي والإدراكي، مما تؤمن له محيطاً يستطيع التفاعل معه والاندماج فيه؛ لهذا ينبغي على كُتّاب الطفل أن لا يغفلوا عن خاصية التنويع في مضامين ثقافة الطفل وتعدد أشكالها والتي من بينها: المعارف والفنون والآداب والمهارات والقيم السلوكية والدينية التي يمكن أن يفهمها الطفل وتمثل صميم احتياجاته لتكوين شخصيته وليتمكّن بواسطتها من توجيه سلوكه ليكون فردًا فاعلًا في مجتمعه، فالطفل الواعي هو مصدرُ تفاؤل وأمل حينما يكبر، يقوى عقله ويشتد عوده فيصبح يد بناء وتشييد لنفسه ولأسرته ووطنه.وأكد على ضرورة أن تسهم كتب الأطفال في صناعة ثقافة الطفل وتعزز قدرته على فهم البيئة والمجتمع المحيط به، خصوصاً عندما نتحدث عن الصغار والناشئة فلابدَّ أن تكون كتبهم مناسبة لعمرهم وغذاءً لعقولهم وأرواحهم، ولا يكون ذلك المزج إلا من يعرف مكنوناتها والمطلع بشغف على عالم الطفولة وسماته ومتطلباته، فيقدم للأطفال ما ينمي ذائقتهم الجمالية من قصص وحكايات وما يشنف مسامعهم من أناشيد ذات ألفاظ ومعان وألحان منتقاة، فكأنه بالكلمات يرسم العالم الذي يحلم به كل طفل، ولا ينسى أن يفسح المجال لبروز المواهب والإبداعات واكتشافها لدى الأطفال من خلال ما يبدعه من تعابير شائقة وعبارات تشحذ أذهانهم تتسم بسمات السهل الممتنع في بساطة ألفاظها ووضوحها من جهة وفي قوتها وجدتها وجديتها من جهة ثانية.وحول أبرز المعايير في اختيار موضوعات قصصية تلامس شغف الطفل وتستجيب لميوله، قال أحمد بن ناصر الراشدي الكاتب والحكّاء المختص في أدب الطفل: قد تختلف طريقة اختيار الموضوعات والأفكار الموجهة للأطفال من كاتبٍ إلى آخر، تبعًا لخبرته في فهم الطفل واحتياجاته، ومدى قربه من عوالمه واهتماماته، ومن أهم تلك المعايير أن يكون الكاتب على دراية بالمستوى العمري للطفل ومراحل نموّه المختلفة، والتي تتوزع إلى الطفولة المبكرة والطفولة المتوسطة والطفولة المتأخرة، وعليه أن يسأل نفسه هل سيكتب للطفل من عمر سنة إلى ٣ سنوات؟ أم سيكتب للطفل من عمر أربع سنوات إلى ست سنوات؟ أم من سبع إلى تسع سنوات أم من عمر 10 فما فوق؟ فلكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها العقلية واللغوية والنفسية التي ينبغي مراعاتها عند الكتابة.وأوضح أن الطفل في عمر سنة إلى ثلاث سنوات له خصائصه العقلية واللغوية من حيث عدد الكلمات التي يستطيع أن نطقها أو استيعابها، وكذلك في نوعية الموضوعات التي يحتاج التعرف عليها مثل أسماء الحيوانات والنباتات، وفي المقابل يميل الأطفال أكبر سنًا خصوصًا من عمر 11 فما فوق إلى موضوعات الخيال والمغامرة والغموض، مشيرًا إلى أن إلمام الكاتب بهذه المعايير يسهل عليه اختيار موضوعات قصصية تناسب الطفل وتشجعه على شرائها عند زيارته المكتبة أو حين يصحبه والداه إلى معرض الكتاب.‏وبيّن أن الكاتب الحكيم يدرك أن النص والموضوع ليسا كل شيء، وإنما تأتي مرحلة العناصر البصرية أو الرسوم بمعناها لتكمل عملية إيصال الفكرة وتقريبها للطفل بأسلوبٍ مشوّق، فأحيانًا تكون الفكرة جميلة ولكن ضعف خبرة الرسام بعوالم الطفل في تلك المرحلة قد يؤثر على جاذبية العمل فلا يحظى بقبول لدى الطفل أو أسرته. مؤكدًا على أهمية وعي الكاتب بالمستوى القرائي لكل مرحلة عمرية من حيث اللغة والأسلوب المناسبين؛ فقد يطرح الكاتب موضوع يريده لفئة في السابعة من عمره، بينما تأتي لغته وأسلوبه أقرب إلى فئة المراهقين من عمر 11 سنة فما فوق مما يضعف من تفاعل الطفل مع النص.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img