لا نريد فعالياتٍ عابرة… بل فعالياتٍ تصنع الأثر

نشرت :

بقلم: أحمد معروف اليافعي

لا تُقاس قيمة الفعاليات الجامعية بعدد الحضور، ولا بحجم التغطية الإعلامية، ولا بما تتركه من صورٍ جميلة في الذاكرة المؤقتة؛ بل تُقاس بما تُحدثه من أثرٍ حقيقي في وعي الطالب، وما تمنحه له من خبرةٍ تُرافقه بعد انتهاء المشهد. فليست الفعالية الناجحة هي التي تُنجز في يومٍ واحد، بل التي تبدأ نتائجها الحقيقية بعد إسدال الستار.
من هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الأنشطة الطلابية بوصفها برامج موازية للحياة الجامعية، بل باعتبارها جزءًا أصيلًا من مشروع بناء الإنسان. فهي المساحة التي يختبر فيها الطالب قدراته خارج حدود القاعة الدراسية، ويكتشف من خلالها ذاته، ويتعلّم كيف يحوّل الفكرة إلى ممارسة، والطموح إلى منجز، والموهبة إلى قيمة مضافة.
الأنشطة الطلابية في جوهرها ليست منصاتٍ للعرض، بل بيئاتٌ للتكوين. ومن خلالها يتعلم الطالب ما لا تمنحه المقررات وحدها: كيف يقود فريقًا، وكيف يدير مشروعًا، وكيف يواجه التحديات، وكيف يتحمل مسؤولية القرار. إنها مساحةٌ يتكوّن فيها الحسّ القيادي، وتُبنى فيها الشخصية العملية، ويُصقل فيها الوعي المهني والاجتماعي.
إن الفعالية التي تستحق أن تُقام ليست تلك التي تُبهر الحضور لحظيًا، بل التي تترك في المشارك أثرًا معرفيًا أو مهاريًا أو إنسانيًا. فالغاية من أي نشاط جامعي لا يجب أن تتوقف عند حدود التنفيذ، وإنما تمتد إلى ما بعده: ماذا أضافت هذه التجربة للطالب؟ ماذا تعلّم؟ كيف تغيّرت نظرته؟ وما الذي أصبح قادرًا على إنجازه بعدها؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح الفعالية معناها الحقيقي، وهي التي تميّز بين حدثٍ عابر وتجربةٍ مؤثرة. فالفرق بينهما لا يكمن في الإمكانات، بل في الفلسفة التي يُبنى عليها العمل؛ فحين يكون الهدف هو الأثر، تتحول الفعالية من مشهدٍ مؤقت إلى تجربةٍ تصنع وعيًا، وتُنمّي قدرة، وتفتح أفقًا.
وفي هذا السياق، لا تقتصر وظيفة الأنشطة الطلابية على اكتشاف المواهب فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى احتضانها، وتأهيلها، وتقديمها في صورةٍ أكثر نضجًا وفاعلية. فالموهبة لا تزدهر بالتصفيق وحده، وإنما تنمو حين تجد من يوجّهها، ويصقلها، ويمنحها بيئةً تتعلم فيها كيف تتحول من قابليةٍ فردية إلى أثرٍ جماعي.
كما أن دور المشرف في هذا البناء لا يقوم على الإدارة المباشرة بقدر ما يقوم على التمكين. فالمشرف الناجح لا يُدير المشهد من الواجهة، بل يصنع من الطلبة من يستطيعون إدارته. إنه يهيئ المسار، ويمنح الثقة، ويضبط الاتجاه، ليبقى الطالب في قلب التجربة: يفكر، ويخطط، وينفذ، ويتعلم.
هذه الفلسفة هي التي تمنح العمل الطلابي قيمته الحقيقية، وتحوّله من نشاطٍ مصاحب إلى تجربةٍ تربويةٍ متكاملة. وحين تُبنى الفعالية على هذا الوعي، فإنها لا تنتهي بانتهاء وقتها، بل تستمر في الطالب فكرةً، وخبرةً، وموقفًا، وثقةً بالنفس.
وفي جامعة ظفار، تمضي دائرة شؤون الطلبة، ممثلةً بقسم الأنشطة الطلابية، في ترسيخ هذا المفهوم بوصفه رؤيةً عملية لا شعارًا تنظيميًا. فالمطلوب ليس تكثيف الفعاليات، بل تعميق أثرها، وتحويلها إلى أدواتٍ فاعلة في بناء الشخصية الجامعية، وتوسيع أفق الطالب نحو أدوارٍ أكثر وعيًا وتأثيرًا.
ومن هنا، تأتي مدينة الأنشطة الطلابية 2026 بوصفها امتدادًا لهذه الرؤية، لا باعتبارها حدثًا موسميًا، بل نموذجًا تطبيقيًا لفلسفةٍ تؤمن بأن النشاط الجامعي ليس ترفًا، وإنما استثمارٌ مباشر في الإنسان. إنها مساحةٌ يُعاد فيها تعريف النشاط من كونه مناسبةً عابرة إلى كونه تجربةً تنموية تُنمّي الوعي، وتُطلق المبادرة، وتُهيئ الطالب للحياة.
إن الجامعات لا تُقاس فقط بما تقدمه داخل قاعاتها، بل بما تصنعه في طلابها خارجها. وحين تنجح الأنشطة في بناء طالبٍ أكثر قدرةً على التفكير، وأكثر جاهزيةً للمسؤولية، وأكثر وعيًا بدوره، فإنها تكون قد حققت غايتها الأهم.
ذلك لأن الفعاليات لا تُخلَّد بحسن تنظيمها وحده، بل بما تتركه من أثرٍ في الإنسان.
وما يبقى في الذاكرة ليس ما أُقيم… بل ما غيّر.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img