“ليس كيسًا جلديًّا”.. رحلة بين الألم والأمل

نشرت :

مصدر الخبر: الوكالة العمانية

بقوة الإرادة ونور الأمل وصدق الإيمان، تروي الكاتبة العمانية بدرية اليوسفي تجربة إنسانية ملهمة تُجسّد الانتصار على المرض وتحويل الألم إلى طاقة للحياة، في كتابها “ليس كيسًا جلديًّا”، الذي يسرد سيرة الإصابة والتعافي من مرض السرطان، الصادر عن دار نثر للنشر، في طبعته الأولى لعام 2026، ويقع في 112 صفحة. ويعد من الإصدارات الإنسانية التي تجمع بين السيرة الذاتية والتجربة الواقعية الملهمة.قدم الكتاب تجربة الكاتبة مع مرض السرطان، حيث استعرضت فيه أحداث تجربتها القاسية خلال فترة المرض منذ اللحظة الأولى لاكتشاف الأعراض، حين بدا الأمر في بدايته بسيطًا وغير مثير للقلق، قبل أن تتكشف الحقيقة الطبية التي غيّرت مسار حياتها بالكامل، لتبدأ بعدها معركة قاسية في رحلة علاج طويلة ومؤلمة يصاحبها ألم جسدي وإرهاق وتحديات يومية، تنقلت فيها بين جلسات العلاج والفحوصات والتشخيصات الدقيقة إلى جانب ما يتركه المرض من أثر في تفاصيل الحياة الأسرية والاجتماعية والمهنية، وكيف تتبدل نظرة الإنسان إلى الزمن والصحة والعلاقات تحت ضغط التجربة.ويحمل عنوان الكتاب دلالة رمزية مؤثرة، فعبارة “ليس كيسًا جلديًا” تمثل اللحظة الفاصلة بين الطمأنينة والقلق، حين يتحول الاحتمال البسيط إلى تشخيص خطير، وهو عنوان يختصر هشاشة الإنسان أمام المفاجآت، وفي الوقت نفسه قدرته على المواجهة والانتصار.وتناول الإصدار تفاصيل تداعيات الصدمة الأولى للكاتبة والمواجهة النفسية التي رافقت سماع خبر الإصابة بمرض السرطان، بما تحمله من صدمة وخوف وارتباك أشبه ما يكون ببركان ثائر، يوشك أن يقذف حممه، ثم رصد تحوّل هذه المشاعر تدريجيًا إلى إرادة وصبر وإيمان، حيث تسعى الكاتبة إلى مقاومة المرض بالوعي والقوة الداخلية، مستندة إلى الأمل والدعم العائلي والطبي بوصفه عنصرًا أساسيًا في رحلة التعافي.ودونت الكاتبة الحالات المزاجية التي كانت تعتريها خلال فترة المرض بحلوها ومرها، حيث اعتبرت كتابتها تنفيسًا عما تعانيه وترياقًا لآلامها وبلسمًا لجروحها وعطاءً يغذي جمال روحها وهي تقف على أعتاب جرف هار وعلى شفا حفرة من الرحيل من هذه الدنيا إن ساءت الأمور، فهي أرادت أن تسجل كل لحظة فارقة من رحلة السرطان وتوثيق ما مرّ بها كما أرادت إطلاع الآخرين على ما مرت به من محن ومآس ولحظات فرح وسعادة أو لحظات حزن وإحباط.وأشارت الكاتبة في صفحات الكتاب إلى دور الأسرة والأصدقاء والكادر الصحي في تخفيف قسوة التجربة، ورفع الحالة المعنوية لها من خلال الجهد الذي يبذلونه بكل محبة وتقدير، والتضحية في سبيل الاعتناء بها بكل ما يستطيعون. ومن الجوانب المهمة لكل مريض يواجه السرطان أن الشعور بالانتماء إلى جماعة تمرّ بالتجربة نفسها أو نجحت في تجاوزها يُعدّ من أكثر العوامل تأثيرًا الإيجابي في مختلف مراحل المرض. فمجموعات الدعم، بل وحتى الأفراد الذين خاضوا التجربة، يكونون الأقرب إلى المريض من الناحية النفسية، والأقدر على مساعدته في تجاوز مشاعر التيه والعجز وقلة الحيلة، والتخفيف من وطأة الاكتئاب والانهيار.ويبرز الإصدار الجانب التأملي للتجربة، حيث تعيد الكاتبة قراءة مفهوم الحياة بعد المرض، وتطرح تساؤلات حول معنى القوة، وقيمة الوقت، وأهمية الامتنان للأشياء الصغيرة التي قد لا ينتبه إليها الإنسان في الظروف العادية، في تجسيد حيّ لما قاله ديزموند توتو: “الأمل هو أن تكون قادرًا على رؤية أن هناك نورًا رغم كل الظلام”. كما ذكرت دروسًا أخرى مع العلاج حيث كانت رحلتها مع المرض متعبة ومرهقة ومليئة بالأحاسيس والمشاعر والمواقف الصعبة والقاسية وفي المقابل علمتها الكثير من الدروس المهمة، التي ستظل تضيء لها عتمات الحياة في الحاضر والمستقبل. بعد السرطان ومحنته وآلامه والانتصار في معركته لم تعد تخيفها أي معركة وستخوض أي مغامرة بروح ملؤها المنافسة والإقدام.ويمثل الكتاب إضافة إلى أدب السيرة الذاتية الصحية والإنسانية، لما يتضمنه من رسالة توعوية تشجع على الفحص المبكر، وعدم الاستسلام للخوف، وتعزيز الثقة بالعلاج، فضلًا عن كونه شهادة حية تمنح الأمل لكل من يمر بظروف مشابهة وخاصة أن أثر العلاج الكيميائي كان عليها عظيمًا، حيث ظهرت بعدها أمراض عديدة كمشاكل في السكر والغدة ونقص حاد في الدم، لكنها قهرت المرض وانتصرت عليه ليكون حافزًا لمرضى السرطان ودافعًا للاستمرار في مقاومة المرض وعدم الاستسلام له.الجدير بالذكر أن الكتاب يتميّز بلغة صادقة ومباشرة، تمزج بين الألم والأمل، وبين التوثيق الشخصي والبعد الإنساني العام، ما يجعله قريبًا من القارئ، وقادرًا على التأثير في مختلف الفئات العمرية والثقافية. كما صدر باللغتين العربية والإنجليزية، مما يوسّع دائرة انتشاره ويعزز رسالته الإنسانية والتوعوية.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img