مصدر الخبر: الوكالة العمانية
يقدم الفنان والمعماري الأردني عمار خماش في معرضه "محادثات مع الأرض"، تجربة فريدة تدعو إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بالأرض، ليس فقط بوصف الأرض مكاناً للعيش، بل انطلاقاً من كونها جزءاً من تكوين الإنسان الروحي.
ويشير المعرض المقام على جاليري وادي فينان بعمّان، إلى أهمية إعادة فتح قنوات الحوار مع الأرض، واستعادة حسّ الانتماء إليها باعتبارها الأصلَ الذي لا يمكن الانفصال عنه، وتتزايد أهمية هذا الحوار في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتبتعد فيه المجتمعات عن جذورها الطبيعية.
ويقدّم المعرض الذي يستمر حتى نهاية مايو المقبل مجموعة من الأعمال الفنية التي تجمع بين الفن التشكيلي والعمارة والفن البيئي، حيث يواصل خماش مشروعه الإبداعي القائم على استنطاق الأرض التي يراها كيانًا حيًّا وذاكرة ممتدة، لا مجرد مادة خام.
وتتنوع الأعمال المعروضة لتشمل اللوحات التركيبية والمجسّمات والأعمال المستندة إلى الخامات الطبيعية، كالحجر والطين والرمل، إضافة إلى الألوان المستخرجة من البيئة المحلية، في محاولة واعية لإعادة تشكيل العلاقة الحسية والروحية مع الأرض، المصدر الأولي للحياة.
وجاء في نص تقديم المعرض أن خماش "يتحرك عبر التضاريس مراقبًا وموثقًا ومتفاعلاً ومستجيبًا لما يكشفه المشهد الطبيعي، ويرى في الجيولوجيا نظامًا حيًّا تتشكل ملامحه عبر تشابك عوامل متعددة؛ اقتصادية واجتماعية وبيولوجية وأثرية، لتتجلى الأرض في نهاية المطاف كيانًا غنيًا بطبقاته وحكاياته".
ويكشف المعرض عن تجربة بصرية تتسم بالهدوء والعمق، حيث لا تسعى أعمال خماش إلى الإدهاش اللحظي بقدر ما تدعو إلى التمهّل والتأمل؛ فكل قطعة فنية تبدو وكأنها جزء مقتطَع من الطبيعة أعيد تقديمه ضمن سياق جمالي جديد، دون أن يفقد صلته بأصله، وهنا يبرز في بعض الأعمال ملمس المواد الخام وتدرجاتها اللونية، ما يعكس احترام الفنان لخصائصها الطبيعية وحرصه على إبقائها حاضرة كعنصر أساسي في العمل، لا على أنها مجرد وسيلة للتعبير.
ويأتي هذا المعرض امتداداً لمسارٍ طويل اشتغل فيه خماش على فكرة الإصغاء إلى الطبيعة، مؤكدًا عبره أن العلاقة مع الأرض لا يمكن أن تكون أحادية الاتجاه، بل هي حوار مستمر يتطلب وعيًا وحساسية، فهو لا يصنع الأعمال بقدر ما يكتشفها، فهي موجودة أصلاً في الطبيعة، وبذلك فإن دوره يقتصر على إزاحة الغبار عنها وإعادة تقديمها بطريقة تتيح للآخرين رؤيتها مجددًا من زاوية أخرى.
ولهذا فإن اختيار الفنان للخامات المحلية ليس خيارًا جماليًا فحسب، بل هو موقف فكري وأخلاقي، يعكس إيمانه بأهمية العودة إلى المصادر الأولى، والابتعاد عن الاستهلاك المفرط للمواد الصناعية، ويتجلى ذلك في الكثير من أعماله التي تستلهم تضاريس المنطقة وتاريخها الجيولوجي بما يحمله من طبقات زمنية تختزن حكايات الإنسان والمكان، وبهذا فهو يقدم نموذجاً فريداً للفن الذي يجمع بين البعدَين الجمالي والمعرفي، ويعيد التفكير في دور الفنان كوسيط بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.
وتتضح في الأعمال المعروضة خبرات خماش المعمارية، ويتجلى ذلك في طريقة تنظيم العناصر داخل الفضاء الواحد، وفي بناء التكوينات التي تستند إلى توازن دقيق بين الكتلة والفراغ، كما تظهر إشارات إلى العمارة التقليدية، خاصة في استخدام المواد المحلية والتقنيات البسيطة، ما يعكس رؤية ناضجة تسعى إلى استلهام التراث دون الوقوع في التكرار أو النقل المباشر.
وتبدو منحوتات خماش الفخارية كما لو أنها وُلدت من رحم الطبيعة، فهي لا تكشف عن مادة الطين فحسب، بل عن رحلة هذا الطين أيضًا؛ من استخراجه إلى تحوُّله داخل منظومات الإنتاج والاستهلاك في العالم اليوم، فقد انطلق عمار خماش من أواني الزرع الـمُصنّعة ليتدخل في شكلها ومسار صناعتها، ومن هذا الانخراط العميق ولّدَ كائنات هجينة هي وعاءٌ وكائنٌ حيّ في آن، كما لو أنها خرجت متحوّلةً من داخل الظروف والعوامل التي أوجدتها.
جدير بالذكر أن المعرض ابتعد عن النزعة الاستهلاكية في الفن، وأعاد الاعتبار لفكرة العمل الفني بوصفه مساحة للتفكير والتأمل، وفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة حول علاقتنا الراهنة بالطبيعة، في ظل التحولات البيئية المتسارعة والتحديات التي تواجه كوكبنا.


