ما بعد التاسع.. هل انتهت الرحلة أم توقف الطريق؟
ما بعد الصف التاسع.. حينما ينتهي المسار ويبدأ الاغتراب
تعد قضية طلاب الدمج من ذوي الإعاقة الذهنية واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في منظومتنا التعليمية والاجتماعية. فبينما يحتفل أقرانهم بالانتقال إلى مراحل تعليمية أعلى، يقف هؤلاء الأبناء عند محطة “الصف التاسع”، وكأنها خط النهاية لمستقبلهم، ليواجهوا فراغاً قاتلاً لا تملؤه وعود الاستمرارية ولا خطط التأهيل الغائبة.
جدار الصد التعليمي
إن توقف التعليم عند الصف التاسع دون توفير بدائل مهنية أو أكاديمية يمثل “جدار صد” يحرم الطالب من استكمال نموه المعرفي والاجتماعي. هؤلاء الأبناء، الذين بذلت أسرهم الغالي والنفيس لدمجهم، يجدون أنفسهم فجأة خارج النظام، مما يؤدي إلى تراجع المهارات التي اكتسبوها بشق الأنفس خلال سنوات الدراسة.
غياب التأهيل المهني: الضربة الموجعة
تكمن المشكلة الكبرى في غياب المسارات المهنية الرديفة. فالعالم يتجه اليوم نحو “التمكين” لا “الرعاية” فقط. وعندما لا يجد الخريج من الصف التاسع ورشة مهنية تحتضن طاقاته، أو مركزاً تدريبياً يصقل مهاراته اليدوية والإبداعية، فإننا ندفعه قسراً نحو العزلة المنزلية، وهو ما يمثل هدراً لطاقات بشرية قادرة على العطاء إذا ما وجدت التوجيه الصحيح.
إلى أين يذهب الأبناء؟
السؤال الذي يطرق أبواب قلوب الأمهات والآباء بمرارة: إلى أين يذهب أبناؤنا؟
- الانكفاء المنزلي: حيث يبدأ الطالب بفقدان ثقته بنفسه وتتلاشى مهاراته الاجتماعية.
- الاعتمادية الكلية: بدلاً من أن يكون فرداً منتجاً، يصبح معتمداً بشكل كامل على الأسرة، مما يزيد من الضغوط النفسية والمادية عليها.
- ضياع الهوية: المراهق في هذه السن يحتاج إلى “انتماء”، وغياب المدرسة أو المركز المهني يجعله بلا هوية اجتماعية واضحة.
نداء للمسؤولين والمجتمع
إن الحل لا يكمن في الوعود الشفهية، بل في تحويل شعارات “الدمج” إلى واقع ملموس يمتد لما بعد المرحلة الأساسية. نحن بحاجة إلى:
- إقرار تشريعات تلزم بفتح فصول تأهيلية مهنيةتمكين هؤلاء الأبناء من إدارة تفاصيل حياتهم والاندماج في سوق العمل بوظائف محمية.
إن الإعاقة الحقيقية ليست في قدرات الأبناء، بل في عجز الأنظمة عن استيعاب طموحهم. إن الاستثمار في هؤلاء الشباب بعد الصف التاسع هو استثمار في كرامة الإنسان وفي استقرار الأسرة والمجتمع. لقد حان الوقت لينتهي هذا الانتظار، وتتحول الوعود إلى جسور يعبرون من خلالها نحو غدٍ أفضل.
أ.عائشة بنت عمر بن حسن العيدروس


