مهارات لا تُصنع بالقراءة

نشرت :

خالد بن حمد الرواحي

ليست كل مهارة تُمارَس… حتى وإن كثر الحديث عنها. فبعض المهارات الإدارية تتردد كثيرًا، حتى توحي بأنها أصبحت بديهية: تواصل فعّال، قيادة، إدارة وقت، اتخاذ قرار، تفكير استراتيجي.

ومع هذا التكرار، يتشكّل انطباع خفي بأن معرفتها تكفي، وأن ترديد أسمائها يمنحنا إحساسًا بامتلاكها. لكن الحقيقة مختلفة؛ فالمهارة لا تتكوّن بما نعرفه عنها، بل بما يظهر منّا حين نُوضَع في مواقف تختبرنا من غير تمهيد. وهنا تحديدًا يتضح الفرق بين من يتحدث عن المهارة… ومن يجسّدها فعلًا.

المشكلة أن كثيرًا من هذه المهارات يُقدَّم وكأنها سلوكيات جاهزة تُستدعى عند الحاجة، بينما هي في حقيقتها أنماط تفكير تتشكّل مع الوقت. فالتواصل ليس مجرد كلمات تُقال في اللحظة المناسبة، بل قدرة على التقاط ما لم يُقَل أصلًا.

والقيادة لا تبدأ حين تُمنَح صلاحية، بل حين تتحمّل مسؤولية لا يطلبها منك أحد. أما إدارة الوقت، فليست في امتلاء الجداول، بل في ترتيب الأولويات حين تتزاحم، ومعرفة ما يجب أن يُنجَز أولًا… وما لا ينبغي أن يستهلكك من الأصل.

لذلك، لا تظهر هذه المهارات في الظروف المريحة بقدر ما تكشفها اللحظات التي يضيق فيها الوقت، وتتداخل الخيارات، ويغيب الوضوح.

ولعل ما يزيد الإشكال تعقيدًا أن هذه المهارات تُختزل غالبًا في صورتها الخارجية؛ فيُقاس التواصل بوضوح الحديث، لا بعمق الفهم، وتُقاس القيادة بقدرة الشخص على التوجيه، لا بقدرته على تحمّل تبعات قراراته.

ويُقاس النجاح في إدارة الوقت بعدد المهام المنجزة، لا بجودة ما أُنجز فعلًا. وقد يبدو الموظف منظمًا لأنه يُكمل كل ما عليه، لكنه يتردد في قرارٍ واحد حاسم، فيربك فريقًا كاملًا.

ومع هذا الاختزال، تتحول المهارات من أدوات تصنع أثرًا حقيقيًا إلى عناوين تُزيّن السلوك؛ فيبدو كل شيء مقنعًا من الخارج، بينما تظل الفجوات قائمة في العمق، لا تظهر إلا حين يأتي الاختبار الحقيقي.

ولهذا، لا يكفي تدريس هذه المهارات أو عرضها في البرامج التدريبية؛ لأنها لا تُكتسب في بيئة مثالية، بل في مواقف غير مكتملة.

يحضر كثيرون، ويفهمون، ويتقنون المفاهيم نظريًا، لكنهم حين يعودون إلى واقع العمل يكتشفون أن التطبيق ليس بهذه السهولة. وليس لأنهم لم يفهموا، بل لأن البيئة نفسها لا تمنحهم مساحة للتجربة؛ لا تتقبل الخطأ، وتكافئ السرعة على حساب الجودة، وتطلب نتائج ناضجة من دون أن تسمح بنضجها.

وفي مثل هذه البيئات، تتحول المهارات إلى معرفة تُحفَظ، لا ممارسة تُبنى، ويبقى الفرق واسعًا بين ما نعرفه… وما نستطيع ممارسته فعلًا.

ولهذا، لا تبدأ المهارات الإدارية من قائمة تُحفَظ، بل من وعيٍ يتشكّل؛ وعيٍ بطريقة التفكير قبل السلوك، وبفهم المواقف قبل التعامل معها، وبالتمييز بين ما يبدو مهمًا وما هو مهم فعلًا؛ فالمهارة لا تظهر حين يكون كل شيء واضحًا، بل حين يختلط الواضح بغيره، ويُطلب منك أن تتخذ موقفًا من دون أن تملك كل الإجابات.

في تلك اللحظات، لا يعود السؤال: ماذا تعرف؟ بل كيف تفكر؟ وكيف توازن؟ وكيف تتحمّل نتيجة ما تقرره؟ ومن هنا تبدأ المهارة الحقيقية… بهدوء، ومن الداخل، قبل أن يلاحظها الآخرون.

وفي النهاية، لا تتمايز الكفاءات بما تختزنه من معرفة، بل بما تُحسنه من تصرّف حين تتعقّد الأمور. فالمهارات الإدارية لا تُختبر في القوائم، ولا في العبارات المتداولة، ولا حتى في الشهادات التي نعلّقها بفخر، بل في مواقف لا تُشبه ما تعلّمناه تمامًا.

هناك فقط، يتضح من يملك المهارة فعلًا، ومن يملك وصفها. لأن الفارق الحقيقي لا يكمن في فهم المهارة؛ بل في ممارستها حين لا تكون سهلة، ولا واضحة، ولا مضمونة النتائج.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img