حكاية هيفاء
بقلم: فايل المطاعني (المطاعني)
الفصل الثامن
أقسى اللحظات… حين يأتيك الخذلان من أقرب الناس إليك
ما قبل الصدمة… حين تتكلم العلامات
حمد – (بيت العريس)
قالت الوالدة بصوتٍ يختلط فيه الرجاء بالخوف:
— يا بُنيّ، لِمَ هذا العناد؟ أعطِ خالتك الخمسين ريالًا، ونُنهي هذه المشكلة.
تنفّس حمد بعمق، محاولًا أن يضبط نبرته، وقال:
— يا أمي، ليست المشكلة في المال… بل في اقتناعي بما يُقال.
ثم أردف بنبرةٍ أكثر حزمًا:
— يا أمي، هذه خرافات ودجل. نحن مسلمون، والله وحده هو الحامي، لا هؤلاء المشعوذون.
تبدّل وجه والدته، وارتسمت عليه ملامح فزعٍ صامت، وأخذت تنظر يمينًا ويسارًا، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
— اصمت… لا تقل هذا الكلام!
أسرعت نحو المبخرة، ونثرت فيها حبات اللبان، ثم أخذت ترمي الملح باتجاه ابنها، تدور حوله في حركةٍ دائرية، وهي تردد:
— سامحونا يا سادة يا كرام… حمايتكما، حمايتكما يا سيدي… يا العيدروس…
لم يتمالك حمد نفسه، فضحك وهو ينفض آثار الملح عن ثيابه، وقال ساخرًا:
— يا أمي، الناس وصلت إلى القمر، ونحن ما زلنا نعيش في هذه الخرافات! أأعطيهم المال من أجل “الحماية”؟
جلست والدته على الأريكة، وانفجرت بالبكاء، وقالت متوسلة:
— اعتبرها صدقة يا ولدي… من أجلي.
رقّ قلب حمد، وأخرج محفظته، ثم أخرج منها الخمسين ريالًا، وناولها إياها قائلًا:
— والله يا أمي لست مقتنعًا، ويعلم الله ما في قلبي… لكن من أجلك، ومن أجل دموعك الغالية، فعلت ذلك.
ثم تناول خنجره، واعتدل في وقفته، وقال:
— سأذهب إلى صديقي سلطان لأتجهز للعرس.
نظر إلى ساعته، وأضاف:
— ما أسرع مرور الوقت…
حمل عباءته، وخرج من المنزل، تاركًا خلفه بيتًا يختلط فيه الحب بالخوف، والإيمان بالقلق.
في الخارج، تسلّل إلى قلبه شعورٌ غريب… كأن أحدًا يرافقه دون أن يراه.
جلس في سيارته، ثم التفت إلى المقعد المجاور… لا أحد.
نزل ببطء، وكأن شيئًا ما يدفعه للتحقق، فإذا به يرى قطةً قد استقرّت فوق غطاء سيارته.
كانت قطةً بيضاء على نحوٍ لافت، بياضها ناصع كأن الضوء يسكن في فرائها، وعيناها خضراوان تشعّان بهدوءٍ مريب.
ذيلها كثيف، ينساب بانسيابية، وفي عنقها قلادة.
اقترب منها حمد… لكنها لم تهرب.
وقفت على الرصيف، تنظر إليه بثبات، وكأن في عينيها رسالة لا تُقال.
تجمّد في مكانه لحظة، ثم قال في نفسه:
— ما أمر هذه القطة؟
حاول أن يخيفها لتفرّ، فتراجعت قليلًا… ثم عادت نحوه من جديد، وكأنها تأبى إلا أن تبقى.
ازداد ارتباكه، وأخذ يحدث نفسه:
— كانت فوق السيارة ولم تتحرك… كأنها لا تريدني أن أغادر.
شعر فجأة وكأن قوةً خفية تدفعه إلى دخول السيارة، لكنه ما إن يهمّ بذلك حتى تقفز القطة إلى غطاء السيارة، فيتلاشى ذلك الشعور الغامض.
وقف حائرًا بين الإقدام والتراجع… بين العقل والحدس… لا يدري ماذا يفعل.
وفي لحظة شرودٍ خاطفة، لم ينتبه إلى جاره الذي كان يُرجع سيارته إلى الخلف…
وفجأة،
اصطدمت السيارة به.
ارتطم جسده بالأرض، وغابت ملامحه في صمتٍ ثقيل… ليسقط مغشيًا عليه.
لم تمضِ لحظات حتى تجمّع بعض الجيران حوله، وقد سكن جسده بلا حراك.
ارتبك الجار، وترجّل من سيارته مذعورًا وهو يردد:
— يا ساتر… لم أره! أقسم أنني لم أره!
انحنى أحدهم ليتحسس نبضه، ثم قال:
— لا يزال حيًّا… لكنه فاقد الوعي! اتصلوا بالإسعاف بسرعة!
خيّم صمتٌ ثقيل على المكان، وكأن الزمن توقّف لوهلة…
ثم ظهرت القطة البيضاء.
كانت تقف غير بعيد، تراقب المشهد بعينيها الخضراوين، بهدوءٍ غريب، كأنها ليست جزءًا مما يحدث… أو كأنها كانت تنتظره.
قال أحد الرجال باستغراب:
— من أين جاءت هذه القطة؟
لكنها لم تتحرك.
ظلّت تحدّق في حمد… وكأن بينهما سرًا لا يُقال.
في عالمٍ آخر…
كان حمد يغوص في ظلامٍ كثيف، بلا صوتٍ ولا ملامح.
يحاول أن يتحرك… أن يفتح عينيه… لكن جسده لا يستجيب.
وفجأة—
تسرّب نورٌ خافت، أخذ يتشكّل تدريجيًا، حتى صار هيئة امرأة.
اقتربت منه ببطء… ملامحها غير واضحة، لكن شعورًا غريبًا تسلّل إلى داخله—طمأنينة ممزوجة بخوف.
ثم لمح شيئًا يلمع…
قلادة.
تتدلّى من عنقها… تشبه تمامًا تلك التي أهداها إلى مزون.
ارتجف داخله، وحاول أن ينطق:
— مزون…؟
لكن صوته لم يخرج.
توقفت المرأة أمامه، ومالت برأسها قليلًا، ثم همست:
— ليس كل ما تراه صدفة يا حمد…
ثم تردّد صوتها في الفراغ:
— انتبه… قبل فوات الأوان…
دوّى صوت سيارة الإسعاف، شاقًّا ذلك السكون الثقيل.
أسرع المسعفون إليه، وبدأوا بإسعافه، بينما وقف الجيران في قلقٍ وترقّب.
لكن القطة…
لم تكن هناك.
اختفت كما ظهرت—بلا أثر.
وكأنها لم تكن سوى رسالة…
وصلت، ثم رحلت.
يتبع…


