المسرح الوطني: هل حان وقت الكفاءات؟

نشرت :

أحمد معروف اليافعي

حين عدتُ إلى سلطنة عُمان بعد تخرّجي في المعهد العالي للفنون المسرحية بدولة الكويت عام 2005، لم أعد بشهادة أكاديمية فحسب، بل عدتُ بحلم كبير، وشغف أكبر، ورؤية كنت أؤمن بأنها قادرة على أن تصنع فرقًا حقيقيًا في المشهد المسرحي العُماني.

عدتُ وأنا أحمل في داخلي سؤالًا لم يفارقني منذ ذلك الوقت:
إذا كانت الدول تُبنى بالعلم، فكيف يُبنى المسرح دون أهله؟
وإذا كانت الأوطان تنهض بكفاءاتها، فلماذا لا يكون المسرح أحد ميادين هذا الاستحقاق؟

في الكويت، لم أتعلم المسرح في قاعات الدراسة فقط، بل تعلّمت كيف تُدار الثقافة بوصفها مشروعًا وطنيًا، لا نشاطًا هامشيًا. رأيت كيف تُصنع القامات الثقافية والفنية، وكيف تتحول أسماء مثل عبدالحسين عبدالرضا، وحياة الفهد، وعبدالله الرويشد، وسعاد عبدالله إلى رموز ثقافية صنعت وجدان مجتمعها، وحملت هوية مجتمعها إلى الخليج والعالم العربي.

كنت أنظر إلى تلك التجربة بإعجاب، وأعود إلى نفسي بسؤال مشروع:
ماذا ينقصنا في سلطنة عُمان؟
لدينا الإنسان، ولدينا التاريخ، ولدينا البيئة، ولدينا الموروث، ولدينا اللهجة، ولدينا الحكايات التي تستحق أن تُروى، فلماذا لا تزال الدراما العُمانية محدودة الحضور؟ ولماذا لا يزال المسرح العُماني أقل من قدرته الحقيقية؟

عدتُ إلى الوطن وأنا مؤمن أن الطريق يبدأ من العمل. فخضت التجربة ميدانيًا، وشاركتُ في أول مهرجان مسرحي عُماني بالنسبة لي، فحصدتُ المركز الثاني، ونلتُ جائزة أفضل إخراج من خلال تجربة مسرحية مع فرقة أوبار المسرحية. لم تكن تلك الجائزة مجرد تكريم عابر، بل كانت تأكيدًا بأن الكفاءة موجودة، وأن الطاقات قادرة على الحضور متى ما مُنحت المساحة.

ثم واصلتُ العمل في الأنشطة الطلابية بجامعة ظفار، مؤمنًا أن بناء المسرح لا يبدأ من الخشبة فقط، بل من صناعة الوعي، ومن خلق جيل يرى في الفن رسالة، لا ترفًا عابرًا.

ومنذ ذلك الوقت، لم يكن طموحي منصبًا، بل مشروعًا.
مشروعًا يرى في المسرح العُماني واجهة ثقافية لوطن يستحق أن يُرى، ويُسمع، ويُقدَّم كما يليق به.
مشروعًا يؤمن أن الدراما العُمانية قادرة على أن تنافس عربيًا، إذا وجدت من يؤمن بها، ويديرها بعقل، ويمنحها حقها من التخطيط والتمكين.

لقد آن الأوان أن نقولها بوضوح:
المسرح العُماني لا تنقصه المواهب، بل تنقصه الفرص العادلة.
لا تنقصه الطاقات، بل ينقصه حسن الاختيار.
لا تنقصه الأحلام، بل ينقصه من يحوّل هذه الأحلام إلى مشروع مؤسسي حقيقي.

وفي هذا العهد المبارك، عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ، الذي جعل الثقافة جزءًا من مشروع النهضة المتجددة، ويؤسس لمرحلة وطنية أكثر وعيًا بأهمية الإنسان، يبرز سؤال لا بد أن يُطرح بوضوح ومسؤولية:
هل حان الوقت لأن تُمنح الكفاءات الوطنية مكانها الطبيعي في قيادة المشهد المسرحي؟

إن الحديث عن المسرح الوطني لا يجب أن يكون حديثًا عن مبنى جديد، بل عن رؤية جديدة.
فالمسرح الوطني ليس مشروعًا عمرانيًا، بل مشروع ثقافي.
ولن تنجح المشاريع الثقافية إلا حين تُدار بالكفاءة، لا بالمجاملة،
وبالخبرة، لا بالعلاقات،
وبأهل الاختصاص، لا بمن تفرضهم الصدفة أو دوائر القرب.

إن أخطر ما يواجه أي مشروع ثقافي ليس ضعف الإمكانات، بل سوء الاختيار.
فالميزانيات يمكن أن تُضاعف، والبنية يمكن أن تُبنى، لكن غياب الشخص المناسب في المكان المناسب كفيل بإرباك أي مشروع، مهما كانت إمكاناته.

ولهذا، فإن السؤال اليوم ليس: هل لدينا كفاءات؟
بل: هل نحن مستعدون لأن نمنحها حقها؟

في سلطنة عُمان، هناك أسماء مسرحية تستحق أن تُقدَّم، لا لأنها تطلب ذلك، بل لأنها أثبتت ذلك علمًا وتجربةً وعطاءً.
وهناك من حملوا المسرح على أكتافهم لسنوات، في ظل دعم محدود، وإمكانات متواضعة، لكنهم بقوا أوفياء للفكرة، مؤمنين أن المسرح ليس وظيفة، بل رسالة.

هؤلاء لا يطلبون امتيازًا، بل يطالبون باستحقاق.
ولا يبحثون عن مجاملة، بل عن عدالة.
ولا يطلبون حضورًا شكليًا، بل دورًا حقيقيًا يليق بما يحملونه من خبرة ومعرفة وشغف.

غير أن العدالة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى آلية عمل، وما لم يُترجم الإيمان بالكفاءات إلى نموذج مؤسسي واضح، يحدد كيف يُبنى المسرح الوطني، ولمن يُسند، وعلى أي أسس يُدار.

فالمطلوب اليوم ليس الاحتفاء بفكرة المسرح الوطني بوصفها مشروعًا رمزيًا، بل بوصفها مشروعًا ثقافيًا مؤسسيًا متكاملًا، يبدأ من رؤية واضحة، ويمر عبر إدارة متخصصة، وينتهي بأثر ثقافي مستدام.

إن المسرح الوطني الذي نحتاجه لا يقوم على إدارة موسمية، بل على مؤسسة دائمة، لها مجلس فني متخصص، وإدارة تنفيذية من أهل الخبرة، وخطة سنوية للإنتاج، وبرنامج واضح لاكتشاف المواهب، وتأهيل الكوادر، وربط المسرح بالتعليم، والجامعة، والمجتمع.

كما أن نجاح هذا المشروع لا يتوقف على اختيار مدير إداري فحسب، بل على بناء منظومة متكاملة، يُمنح فيها الأكاديمي دوره، ويأخذ فيها الفنان مساحته، وتُربط فيها الجامعات بالمسرح، لا بوصفها مؤسسات تعليمية معزولة، بل بوصفها حاضنات أولى لصناعة الوعي الفني واكتشاف الطاقات.

ومن هنا، فإن المسرح الوطني لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن مشروع الدراما العُمانية، بل جزءًا منه. فالمسرح هو المعمل الأول للممثل، والمخرج، والكاتب، وهو المدرسة التي تُصنع فيها الخبرة قبل أن تنتقل إلى الشاشة. ولهذا، فإن أي مشروع جاد للنهوض بالدراما العُمانية لا بد أن يبدأ من المسرح، لا أن يمرّ به مرورًا عابرًا.

إن مستقبل المسرح العُماني لا يُبنى بالمجاملات، ولا بالعلاقات، ولا بالأسماء العابرة.
إنه يُبنى بالكفاءة، وبالرؤية، وبالقدرة على تحويل المسرح من نشاط موسمي إلى مشروع وطني مستدام.

وإذا كنا اليوم أمام فرصة تاريخية حقيقية، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل خطوة هو:
من يليق بهذا المشروع؟

لأن المسرح الوطني لا يحتاج فقط إلى من يديره،
بل إلى من يؤمن به.
ولا يحتاج إلى من يشغله،
بل إلى من يحمله.
ولا يحتاج إلى أسماء تُضاف،
بل إلى كفاءات تُبنى بها المرحلة القادمة.

لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس سؤال طموح شخصي، بل سؤال وطن ثقافي بأكمله:

المسرح الوطني: هل حان وقت الكفاءات؟

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img