عادل بن رمضان مستهيل
adel.ramadan@outlook.com
في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تجاذبات سياسية حادة واستقطابات تحاول إعادة رسم خرائط النفوذ، تبرز سلطنة عُمان كنموذج استثنائي في الرزانة السياسية والقرار السيادي المستقل. إن القراءة المتأنية لـقرابة خمس عقود من عمر النهضة العُمانية الحديثة، تكشف أن “الحياد الإيجابي” ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو عقيدة راسخة أسس دعائمها أعز الرجال و أنقاهم المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- ويقود لواءها اليوم بحكمة واقتدار جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه-.
وفي هذا السياق، تتجلى الرؤية العُمانية الراسخة التي عبّر عنها المرحوم جلالة السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- في أكثر من مناسبة، حيث أكد أن الحروب لا يمكن أن تؤسس لسلام دائم، وأن السبيل الأنجع لمعالجة النزاعات يظل مرهونًا بالحوار والتفاهم. وقد جاء هذا الطرح واضحًا في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني في 18 نوفمبر 2013، ليعكس نهجًا ثابتًا في السياسة العُمانية يقوم على تغليب الحكمة، وترسيخ الاستقرار، والدعوة إلى حلول سلمية تحفظ للمنطقة أمنها وتوازنها.
إن ما يطرحه البعض، ومنهم سعادة مارك سيفرز، السفير الأمريكي السابق والمحلل المقيم حالياً في أبوظبي (يشغل منصب مدير مكتب اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) في أبوظبي (مركز سيدني ليرنر للتفاهم العربي اليهودي). كما يعمل كمحلل سياسي ومستشار للأعمال في مركز تريندز للبحوث والاستشارات.)، أو ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي من قبل بعض الكتاب والإعلاميين مثل عبدالعزيز الخميس، يستوجب وقفة تحليلية تفند هذا “الإحباط السياسي” الذي يبدو أنه نابع من عدم استيعاب العمق الاستراتيجي للموقف العُماني. فالسلطنة لا تصيغ سياساتها بناءً على “إملاءات” أو “توقعات” القوى الدولية أو الإقليمية، بل انطلاقاً من مصالحها الوطنية العليا ودورها التاريخي كمركز ثقل للاستقرار.

خمسة عقود من الثبات
على مدار خمسة عقود ونيف، أثبتت مسقط أن بُعد النظر هو العملة الأصعب في السياسة الدولية. نتذكر جميعاً عام 1979، حين وقفت عُمان بشجاعة نادرة ضد تيار “المقاطعة” العربية لجمهورية مصر العربية بعد اتفاقية السلام، مؤمنةً بأن مصر هي قلب العروبة ولا يمكن عزلها، وهو الموقف الذي أثبتت الأيام لاحقاً صحته وبعد نظره. كما نتذكر دورها المحوري كقناة اتصال سرية وموثوقة أفضت إلى الاتفاق النووي الإيراني، مما جنّب المنطقة والمنطقة ويلات مواجهة كبرى.
هذا المنهج العُماني، الذي يوصف بالهدوء، هو في الحقيقة “دبلوماسية القمة” التي تدرك أن الصراخ لا يصنع حلولاً. إن تحميل السلطنة مسؤولية تعقيدات إقليمية معينة، كما قد يُفهم من بعض التحليلات القاصرة، هو تجاهل متعمد لحقيقة أن عُمان كانت ولا تزال “مستشفى المنطقة” سياسياً، حيث تُعالج الأزمات بعيداً عن صخب الإعلام ومنطق المحاور.
الرد على منطق الضغوط
إن محاولة وضع السياسة العُمانية في قوالب مقارنة مع تجارب أخرى، أو اعتبارها خروجاً عن “السرب”، هو قراءة سطحية للتاريخ. فعُمان، التي تمتد جذورها كإمبراطورية بحرية ضاربة في القدم، تدرك أن قدرها هو أن تكون جسراً للتواصل لا خندقاً للتصادم. إن استضافة مسقط للمفاوضات اليمنية – اليمنية، ودورها في تقريب وجهات النظر بين القوى الإقليمية، ليس انحيازاً لطرف، بل انحياز لمبدأ “حقن الدماء” الذي تضعه عُمان فوق كل اعتبار.
أما المراهنة على الضغوط الدولية لتغيير الثوابت العُمانية، فهي مراهنة خاسرة. فالسلطنة التي رفضت الانجرار خلف صراعات المحاور في الثمانينات، وصمدت في وجه العواصف التي تلت “الربيع العربي” متمسكةً بسيادتها، لن تتنازل اليوم عن استقلال قرارها الوطني.
كلمة أخيرة
إلى المتابعين والمحللين، ومنهم السيد سيفرز الذي ينشط اليوم في سياقات استشارية وتجارية: إن السياسة العُمانية تُقرأ من مسقط، ومن واقع ممارساتها التي أثبتت طوال قرابة 55 عاماً أنها الطرف الذي تلجأ إليه كافة الأطراف حين تضيق السبل. عُمان ستظل دائماً صوت العقل، والندية في التعامل معها هي السبيل الوحيد لبناء علاقات مثمرة، أما منطق الإملاءات أو التشويه الإعلامي فلن يغير من واقع أن “عُمان لا تُقاد، بل تقود بالقدوة والحكمة”.
ستبقى سلطنة عُمان قلعة شامخة للسلام، متمسكة بمبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، مع الحفاظ الكامل على حقها السيادي في اتخاذ ما تراه مناسباً لأمنها القومي واستقرار المنطقة.



