عُمان تقرأ المستقبل

نشرت :

خلفان الطوقي

هناك مطالبات عديدة من المختصين بأن تكون سلطنة عُمان مركزا ماليا ولوجستيا وتقنيا وغيرها من مجالات، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يتحقق، أو على الأقل يتحقق بالصورة الخيالية التي في ذهنه، ولكن في ذات الوقت يمكن تطبيق قاعدة: ما لا يُدرك كله، لا يُترك جله، ومن هذا المنطلق تسعى السلطنة أن تعمل وفق إمكانياتها وأولوياتها، واستدلالا على ذلك هو هذا المثال، بصدور المرسوم السلطاني السامي رقم (50/ 2026) بإنشاء مدينة الذكاء الصناعي الخاصة في مسقط الذي صدر الأسبوع الماضي.

هذا المشروع هو أحد المطالب الملحة للمختصين والمهتمين بالمستقبل القادرين على قراءة المستقبل واستشرافه إلى أين يتجه، فالمنطقة الجديدة للذكاء الاصطناعي ليست ترفا أو هدرا أو تقليدا أعمى، بل ضرورة ملحة بشكل عاجل، وذلك لعدة أسباب أهمها:

– تكاملي: فهذه المنطقة لن تعمل بشكل منفرد، بل سوف تعمل على التكامل مع 32 مبادرة تخص  البرنامج الوطني للتحول الرقمي “تحوُّل”، وهذه المبادرات معنية بالتدريب والتأهيل والتشريع وتهيئة البنية الأساسية المتخصصة.

– حاضنة: يُراد لهذه المنطقة الخاصة أن تكون جاذبة للاستثمارات الداخلية والإقليمية والعالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي من داخل عُمان، ومن الدول المحيطة وخاصة القريبة منا، فهناك مشاريع ابتكارية نوعية في دول لا يتوافر فيها الاستقرار الكافي الاقتصادي والسياسي، فهذه المنطقة يمكن أن تكون حاضنة لمثل هذه المشاريع النوعية التي يمكن أن تشمل السوق الخليجي وسوق الشرق أوسط والآسيوي، وتضمن التوسع فيهم.

– رافعة: هذا المشروع يسعى لأن يكون رافعة (leverage) للاقتصاد العُماني من جميع الجوانب كالتوظيف النوعي التخصصي، وتوطين الصناعات المتطورة، ورفع نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتنويع الاقتصادي.

– منظومة شاملة (Ecosystem): إنشاء هذه المنطقة ليس خيارا، بل حاجة ملزمة لتكتمل مع الالتزامات لبناء الصناعات والخدمات المستقبلية، فبدونها لن تكون هناك منظومة شاملة وجاذبة للاستثمار فيها.

– خصوصية: أحد أهداف هذه المنطقة أن تسد الثغرات، وما يُمكنه أن يميز هذه المنطقة أن تسد الثغرات التي من الصعوبة سدها من خلال المناطق أو المدن المشابهة من حيث الحجم والموقع الجغرافي ونوعية المستثمرين وحجم الحوافز المقدمة وكمية الإعفاءات المقدمة والأسواق المستهدفة وغيرها من عوامل تؤهل منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة أن تستوعب أعدادا جيدة من المستثمرين وخاصة الشركات الناشئة، والمستثمرين الذين يعملون جنبا إلى جنب مع صندوق عُمان المستقبل وغيرهم من المستثمرين الذين تناسبهم البيئة العُمانية ونمط العيش فيها.

– تركيب قطع (puzzle): خلال السنوات القليلة الماضية تم استحداث عدد من الكيانات كمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وتأسيس صندوق عُمان المستقبل وبناء تحالف الذكاء الاصطناعي الأخضر وإنشاء مثلث عُمان الرقمي، والتركيز على الاستثمار في أشباه الموصلات (semi-conductors) ومراكز البيانات العالمية، واعتماد الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي، وتبني الصناعات الفضائية، وغيرها من مبادرات تخصصية دقيقة توحي -إذا تم تجميعها كقطع-  بأنَّ هناك خطة حكومية حقيقية للانتقال المدروس إلى اقتصاد المستقبل المتطور والمتغير لحظة بلحظة.

تتوفر لسلطنة عُمان كافة عوامل النجاح لتقترب من المستقبل وتقرأه وتعيشه، فقد أثبتت الأيام ذلك، وحان الوقت لعُمان أن تحول علاقاتها السياسية والدبلوماسية المميزة والمستقرة إلى استثمارات وأرقام ملموسة، وتحويل موقعها الجغرافي وطبيعتها الخلابة وتضاريسها المنوعة إلى استثمار يتجاوز السياحة بأميال، وتحويل استقرارها الاقتصادي إلى توطين الصناعات والخدمات وخاصة كل ما يتعلق بالاقتصاد الرقمي، ولم لا.

- إعلان -

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img