يحدث اليوم الثاني من مؤتمر إعادة تصور ضمان الجودة: استراتيجيات التميز في التعليم العام والعالي، الكلية التقنية بنزوى.

نشرت :

من “الامتثال الورقي” إلى “صناعة الأثر”: خارطة طريق لمستقبل التعليم في سلطنة عمان

بقلم وتحليل: د. ماهر بن عباس الهلالي


باحث في السياسات التربوية والعلوم الثقافية – جامعة تونس.

مسقط – مايو 2026

في حوارٍ أكاديمي اتسم بالعمق واستشراف المستقبل، شهدت الساحة التربوية العمانية طرحاً استراتيجياً محورياً قدمه الدكتور يوسف محمد البلوشي (مدير دائرة التخطيط وضمان الجودة بكلية الدراسات المصرفية والمالية)، تناول فيه إعادة تصور أنظمة ضمان الجودة للتميز في التعليم العام والعالي. ويأتي هذا الطرح في توقيتٍ حاسم يتزامن مع ملامح التحول الجذري في المنظومة الوطنية لتقويم أداء المدارس، التي استعرضها مؤخراً الدكتور زايد بن خليفة المقبالي.

ثلاث قوى عالمية تعيد تشكيل المشهد التعليمي

انطلق الدكتور يوسف البلوشي من تساؤلٍ جوهري: لماذا أصبح “الأثر المؤسسي” ضرورة حتمية وليس خياراً؟ مشيراً إلى ثلاث قوى ضاغطة تفرض على المؤسسات التعليمية تغيير قواعد اللعبة:

  • الاستدامة والحوكمة (ESG): حيث أصبحت معايير الاستدامة جزءاً لا يتجزأ من متطلبات 73% من هيئات الاعتماد العالمية.
  • ثورة الذكاء الاصطناعي: مع توقعات بتحول 40% من المهام الوظيفية نحو الأتمتة بحلول 2030، مما يضع المناهج التقليدية في اختبار حقيقي.
  • فجوة المهارات: تشير الإحصائيات إلى أن 53% من الخريجين يواجهون فجوة بين تحصيلهم الأكاديمي واحتياجات سوق العمل الفعلية.

التطور التاريخي: نحن الآن في “عصر الذكاء”

من خلال مراجعة منهجية شملت 184 بحثاً محكماً، رسم البلوشي ملامح تطور الجودة عبر العقود، مؤكداً أننا غادرنا “عصر الامتثال” (التركيز على الورق والتوثيق) و”عصر الأداء” (مؤشرات الأداء KPI)، لنلج الآن “عصر الذكاء” الذي يعتمد على التحليلات الفورية للأثر باستخدام الذكاء الاصطناعي.

جودة التعليم ورؤية عمان 2040

في قراءة تحليلية للمشهد العماني، ربطت الورقة البحثية بين أنظمة الجودة والأولويات الوطنية لرؤية عمان 2040. وأكد البلوشي أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالتقارير الداخلية، بل بتحسن مؤشرات الدولة في:

  • مؤشر الابتكار العالمي.
  • مؤشر التنافسية العالمية (ركيزة المهارات).
  • مؤشر تنمية رأس المال البشري.

الرؤية الثقافية: الجودة كـ “أسلوب حياة”

من منظورنا في العلوم الثقافية، نرى أن الجودة ليست مجرد أرقام جافة أو لوائح تقنية، بل هي “ثقافة مؤسسية” يجب أن تتغلغل في وعي الطالب والأكاديمي. إن التحول نحو “الأثر” يتطلب فهم الحاضنة الاجتماعية للخريج، لضمان مواءمة مخرجات التعليم مع الهوية العمانية الأصيلة والاحتياجات المحلية المتجددة.

أين تقف مؤسستك؟ (الامتثال مقابل الأثر)

وضع الدكتور البلوشي مقارنةً دقيقة تلخص واقع المؤسسات التعليمية اليوم:

  • مؤسسات تقودها المتطلبات: تسأل “هل استوفينا المعايير؟” وتنتهي بجمع “وثائق الاعتماد”.
  • مؤسسات يوجهها الأثر: تسأل “ما القيمة التي قدمناها للمجتمع؟” وتنتهي بـ “تحول مؤسسي حقيقي”.

خارطة الطريق: توصيات لصناع القرار

اختُتمت النقاشات بدعوة صريحة للتحول نحو نظام تعليمي مرن عبر:

  • تبني النماذج الدولية الحديثة (مثل QAA البريطانية وTEQSA الأسترالية) التي تجعل الجودة حواراً مستمراً لا تفتيشاً دورياً.
  • الانتقال من “عقلية الامتثال” إلى “قيادة الأثر” في كافة الوحدات الإدارية والأكاديمية.
  • تفعيل “لوحات متابعة الأثر” الفورية لدعم اتخاذ القرار بناءً على البيانات الحية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img