بعض الناس حين يختلفون مع غيرهم، يتحول الخلاف عندهم إلى حديث في المجالس، وكأن الغيبة تعوّض ما عجزوا عن قوله مواجهةً. بينما الإنسان الذي يعرف قدر نفسه، يترفّع غالبًا عن هذا الطريق، لأنه يدرك أن احترامه لنفسه يظهر أولًا في طريقة حديثه عن الآخرين، حتى وهم غائبون.
ولذلك كان قول أبو الطيب المتنبي عميقًا حين قال:
وأكبرُ نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍ ، وكلُّ اغتيابٍ جهدُ من لا له جهدُ
فصاحب النفس الكبيرة لا يحتاج إلى التقليل من الناس في غيابهم، لأنه يعرف أن قيمة الإنسان تظهر في أخلاقه، لا في قدرته على الطعن بالآخرين.
فالغيبة لا تُثبت قوة، بل تكشف في أحيان كثيرة ضيقًا في النفس أو ضعفًا في الحجة. أما صاحب الأخلاق الحقيقية، فلا يسمح لخصومه أن يدفعوه إلى مستوى لا يليق به، لأنه يعرف أن الإنسان لا يكبر بانتصاره في المجالس، بل يكبر حين يحافظ على أخلاقه وقت الغضب والخلاف.
ولهذا يختار بعض الكبار إمّا حديثًا مباشرًا واضحًا، أو صمتًا فيه كرامة، أما تتبّع الناس بالكلام من خلفهم فليس مما يرفع قدر الإنسان، مهما ظن أنه انتصر بذلك.
أحمد الفقيه العجيلي


