“النصر السعودي… السيناريوهات المؤلمة والنهايات الحزينةهل آن لها أن تنتهي الخميس؟

نشرت :

“كتبه الإعلامي/ محسن الفقيه

في كُل ِموسم ٍ يُمنّي فيه جمهور النصر نفسه بأن القادم أجمل يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان يشتري وهمًا مغلفًا بالشعارات وأن فريقه يعيد تدوير الخيبات.
فلم يعد النصر فريقًا ينافس على البطولات بقدر ما أصبح مصنعًا لإنتاج الحزن الجماعي.

يُثْقِلُ صدور كبار السن الذين استنزفوا أعمارهم وهم ينتظرون فرحةً مكتملة ويزرع الدموع في عيون الأطفال الذين تعلقوا بشعاره قبل أن يفهموا أن كرة القدم لا ترحم العاطفيين، ويقهر النساء اللواتي ارتبطت ذاكرتُهن العائلية بهذا الكيان حتى صارت هزائمه جزءًا من تفاصيل البيوت.

وإذا كانت شركات التبغ تحذر الناس من أمراض القلب والضغط والسكري فنجد لها شريكًا غير معلن في صناعة القهر المزمن.

فالفريق لا يكتفي بخسارة المباريات بل يتقن استنزاف الأعصاب ويمارس هوايته القديمة في صدم جماهيره، حتى بات المشجع النصراوي يدخل كل مباراة بقلب ٍمرتجف لا خوفًا من المنافس بل خوفًا من السيناريو المعاد الذي يحفظه عن ظهر قلب.

المشكلة في النصر ليست غامضة ولا تحتاج إلى عبقرية لاكتشافها.
إنها أوضح من الشمس في كبد السماء، وقد تكون خارج الملعب أكثر مما هي في داخله، فهل عجز رجالات النصر وقياداته في أن يجدوا حلًا وعلاجًا لما ألم بفريقهم ؟ واني ارى أن جمهور النصر نفسه يتحملُ جزءًا كبيرًا من هذه الكارثة. لقد بالغ في الوفاء حتى تحول وفاؤه إلى ضرر.
أشبه بأمٍ تفسدُ طفلها بكثرة التدليل فلا تحاسبه حين يخطئ، ولا تقومه حين ينحرف، ثم تستيقظ متأخرةً على رجل هش لا يقوى على مواجهة ظروف الحياة.

في الكيانات الكبيرة مثل نادي النصر، حين يتخاذل اللاعب الذي يتقاضى الملايين، تقوم الجماهير بدور الرقيب الغاضب، تهاجم وتقاطع وتضغط وتفرض هيبة المدرج.

لقطة عبثية لا يكتبها حتى أكثر الكُتّاب ميلًا للكوميديا السوداء.
ثلاث ثوانٍ فقط…
ثلاث ثوانٍ في ديربي الرياض أمام الهلال كانت تفصل النصر عن احتضان لقب غاب طويلًا والجماهير تحبس أنفاسها بانتظارِ صافرة النهاية وما يحدث في هذه الأثناء لا هو هجمة مرتدة خطيرة، ولا انفراد بالمرمى ولا ركلة جزاء…
كل ما في الأمر رمية تماس عادية في منتصف مشهد يُفترض أنه آمن تمامًا.

رمية تماس!
كرة يفترض أنها أقل خطورةً من رسالة “صباح الخير” في مجموعة واتساب، لكنها حين تصلُ إلى النصر تتحول إلى قنبلةٍ موقوتة.
يرسلها علي لاجامي لاعب النصر السابق، نحو منطقة الجزاء فلا تجد لاعبًا هلاليًا واحدًا يلمسها وكأن لاعبي الهلال أنفسهم لم يتوقعوا أن النصرَ قادر على اختراع الكارثة بنفسه دون أي تدخل خارجي.

وهنا يدخل بينتو ومارتينيز المشهد وكأنهما يؤديان فقرة كوميدية مرتجلة ارتباك وسذاجة وتصادم عبثي ثم تستقر الكرة في الشباك النصراوية وسط ذهول الملعب بأكمله.

هدف لا يشبه أهداف كرة القدم، بل يشبه مقطعًا ساخرًا يُعاد بثه آلاف المرات تحت عنوان: “كيف تخسر بطريقةٍ لا تخطر على بال؟”.

والأقسى من الهدف… ما رصدته كاميرات نقل المباراة من ردات فعل جماهير العالمي.

مشهد آلمني ولم يفارقني لتلك الشابة التي غطت وجهها بعباءتها قبل تنفيذ رمية التماس، وكأنها تستشعر فاجعة قادمة.
يا الله… جمهور بات يخاف حتى من رمية تماس!
أي تاريخ من الصدمات أوصل الناس إلى هذه المرحلة من الرعب النفسي؟
وكأن المشجعة لا تتابع مباراة كرة قدم، بل تنتظر إعلان نتيجة عملية جراحية خطيرة.

وذلك الطفل الذي كان ينظر مذهولًا بعينين عاجزتين عن تصديق ما يحدث، والشاب الذي أمسك رأسه كأن صداع العالم كله استقر داخله، وآخر فقد القدرة على الكلام، وكأن النصر لا يهزم جماهيره فقط، بل يسحب منهم حتى القدرة على التعبير.

حتى العرسان الجدد لم يسلموا.
شاب وفتاة يعيشان أسعد أيام العمر فيأتي النصر ليضيف إلى ألبوم الزفاف ذكرى تعيسة أخرى.
بدلًا من صورة ابتسامة خالدة يحتفظان بصورة صدمة جماعية وعيون متحجرة الدموع.

أيُ فريق ٍهذا الذي حول الفرح إلى حالةٍ مؤقتة، والحزن إلى رفيق ٍدائم؟
إلى متى سيظل جمهوره يبحث عن علاجٍ لخيباتٍ مزمنة لا تنتهي؟

حضر الأسطورة العالمية كريستيانو رونالدو، أحد أعظم من لمس كرة القدم ، وجاء معه النجم الإفريقي ساديو ماني ونجوم من أوروبا بحجم مارسيلو بروزوفيتش وكومان وجواو فيليكس ومارتينيز، ومن بلاد السامبا حارس المنتخب البرازيلي بينتو والموهبة أنجيلو، ومدرب خبير بحجم جيسوس…

كتيبة كاملة من الأسماء اللامعة ورواتب تشبه ميزانيات دول صغيرة، ثم تكون المحصلة في النهاية خروجًا من بطولة بعد أخرى، ومواسم صفرية تُسلَّم للجماهير وكأنها إنجازات تستحق التصفيق.

فمن العجيب أن الدون كريستيانو رونالدو قد خسر حتى اللحظة مع النصر 14 بطولة من أصل 15 بطولة نافس عليها بقميص العالمي منذ انتقاله إليه، في واحدة من أكثر المحطات تعقيدًا وغرابة في مسيرة هذا النجم الكبير.

ويواصل النصر مسلسل إخفاقاته فيخسر على أرضه وبين جماهيره نهائي كأس آسيا 2 أمام غامبا أوساكا في ليلة جديدة تُضاف إلى أرشيف الخيبات.
فحتى ملعب “الأول بارك” الذي كان يفترض أن يكون حصنًا وهيبة، تحول إلى مسرح دائم للأحزان، وإلى شاهد يتكرر فيه المشهد ذاته وعود كبيرة وضجيج إعلامي ثم سقوط موجع عند لحظة الحقيقة.

وبات النصراوي اليوم لا يدخل المباراة وهو يسأل: هل سيفوز الفريق؟
بل يسأل بخوف مرهق: بأي طريقة سيخذلنا هذه المرة؟
فكأن النصر لم يعد ينافس خصومه بقدر ما ينافس جماهيره على قدرتهم في احتمال المزيد من الألم.

وما ذنب هذه الجماهير التي أحبت النصر العالمي، وأحبت عموده الصلب ورمزه الراحل صاحب السمو الأمير عبد الرحمن بن سعود ـ رحمه الله ـ وأسطورة الكرة السعودية ماجد عبد الله، والمايسترو فهد الهريفي، والكوبرا محيسن الجمعان، وغيرهم من النجوم الذين سطروا أجمل المحطات في تاريخ هذا الكيان؟

فهل يدخل لاعبو النصر مواجهة الخميس أمام ضمك الذي يصارع من أجل البقاء بروح قتالية وشراسة تليق بالكيان والشعار، ويعيدون شيئًا من الفرح إلى جماهير الشمس التي انطفأ ضوؤها من فرط الخيبات، ويكفرون عما تسببوا فيه من أوجاع لجماهيرهم بلقب دوري روشن، والذي إن تحقق إن شاء الله سيعيد الحياة إلى قلوب أتعبها طول الانتظار؟

فما زالت المدرجات النصراوية، رغم كل الانكسارات، قادرة على الحلم، وما زال هذا الجمهور العريض الذي سيزحف بالآلاف لمؤازرة ودعم اللاعبين يمنح فريقه الحب ذاته في كل مرة، وكأنه لم يُخذل يومًا.
جمهور الشمس لا يبحث عن المستحيل، بل عن فريق يقاتل لأجله حتى النفس الأخير، ويعيد إليه شعور الفخر الذي افتقده طويلًا.

وربما تكون كرة القدم هذه المرة عادلة مع الذين صبروا كثيرًا…
وربما يقرر النصر أخيرًا أن يمنح جماهيره نهايةً تليقُ بكل هذا الوفاء.

بعد أن رددوا طويلًا رائعة الأمير خالد الفيصل:
“انتظرت أزمان في ظل الوعد…
أحسب الخفقات يا أغلى وعد”

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img