تنويع الأيدي العاملة في عمان.. ضرورة اقتصادية وأمنية ملحة

نشرت :

رأي اليوم


صحيفة اليوم العمانية

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه سلطنة عمان، وسعيها الحثيث لتحقيق رؤية عمان 2040 للتنويع الاقتصادي، يبرز موضوع تنويع مصادر الأيدي العاملة كأولوية استراتيجية ملحة. إن الاعتماد الشديد على جالية واحدة يشكل مخاطر اقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها. فهل يمكن أن تكون تجارب بعض الدول في هذا المجال نموذجاً يُحتذى به؟
تشكل الجاليات الآسيوية، وفي مقدمتها الهندية والبنغالية، الغالبية الساحقة من القوى العاملة الأجنبية في عمان. يقدر عدد الهنود بحوالي 700-750 ألف نسمة، وهم الأكبر بين العمالة الوافدة، يليهم البنغاليون ثم الباكستانيون. ويسيطرون على قطاعات حيوية مثل البناء (أكثر من 80% من العمال في هذا القطاع)، والتجارة، والخدمات.
يعود هذا الاعتماد إلى عدة عوامل، أبرزها انخفاض التكلفة، والقرب الجغرافي، وانخفاض نسبة العمانيين الراغبين في العمل في هذه المجالات مقارنة بحجم الطلب. غير أن هذا الوضع أصبح يحمل مخاطر جمة.
من الناحية الاقتصادية: يجعل التركيز على جنسية واحدة الاقتصاد عرضة لصدمات خارجية، سواء تغيرات في سياسات الدول المصدرة للعمالة، أو أزمات إقليمية، أو تقلبات في تدفقات التحويلات المالية. كما أن أي اضطراب في تدفق هذه العمالة — كما حدث جزئياً أثناء جائحة كوفيد-19 — يؤثر مباشرة على المشاريع الإنشائية والخدمات، ويعيق تطوير المهارات المحلية، ويبطئ من وتيرة برنامج التعمين، خاصة في المهن المتوسطة والعليا.
ومن الناحية الأمنية والاجتماعية: يؤدي التركيز الديموغرافي الكبير إلى تشكل تجمعات مغلقة ثقافياً، مما يعيق الاندماج ويزيد من احتمالية التوترات الاجتماعية عند حدوث أي أزمة. كما أن الاعتماد على شبكات توظيف معينة قد يفتح الباب أمام ممارسات غير منظمة أو تأثيرات خارجية غير مرغوب فيها.
إن تنويع الأيدي العاملة ليس رفاهية، بل ضرورة للاستدامة. فهو يتيح جذب مهارات متنوعة من دول مختلفة (آسيوية، أفريقية، أوروبية وعربية)، ويقلل المخاطر من خلال توزيع الاعتماد على عدة جنسيات، ويعزز المنافسة الصحية بين العمال مما يرفع الإنتاجية. كما أنه يدعم أهداف التعمين بتوفير خيارات أوسع تتناسب مع احتياجات السوق العمانية، ويكسر احتكارات بعض الجاليات وجماعات الضغط في سوق العمل.
لقد بدأت عمان خطوات مهمة في هذا الاتجاه عبر سياسات التعمين ورفع الرسوم على الشركات غير الملتزمة، إلا أن التنويع الفعلي للجنسيات لا يزال محدوداً. والتنويع المدروس للعمالة الوافدة سيجذب عمالة ماهرة في قطاعات مختلفة، وهو استثمار استراتيجي في مستقبل عمان الاقتصادي والاجتماعي.
ومع ذلك، يجب التعامل مع هذا الملف بحذر. فهناك فائض في بعض المهن الدنيا (البناء، النظافة، الخدمات البسيطة) يسيطر عليها عمال من جنوب آسيا. وأي قرار بتقليل الاعتماد على جنسية معينة قد يؤدي إلى نقص مؤقت في الأيدي العاملة، مما يسبب تأخيراً في المشاريع وارتفاع التكاليف. لذلك، ينبغي أن يتم التنويع بشكل مدروس ومخطط، مع توفير بدائل سريعة لتجنب أي فراغ يعيق تحقيق أهداف رؤية 2040 في البنية التحتية والسياحة.

حفظ الله عمان شعباً وأرضاً وسلطاناً، والأمة العربية والإسلامية والإنسانية كافة من كل سوء.

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img