رأي اليوم
صحيفة اليوم العمانية
تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”نسف” سلطنة عُمان خلال اجتماع مجلس الوزراء الأخير ليس زلة لسان أو تصريحاً عابراً، بل يُعد تصعيداً غير مسبوق ضد حليف تقليدي للولايات المتحدة. جاء هذا التهديد في سياق التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز عقب الحرب مع إيران، ويعكس رغبة واشنطن في فرض سيطرة مطلقة على هذا الممر المائي الحيوي، ورفضها أي تنسيق عُماني-إيراني محتمل بشأن الملاحة أو الرسوم.
عُمان ليست دولة مواجهة. تقوم سياستها الخارجية على التوازن والوساطة، محافظة على علاقات جيدة مع إيران (جارتها عبر المضيق) والولايات المتحدة (شريكها الأمني والاقتصادي المهم)، إلى جانب الدول الخليجية. هذا التوازن هو مصدر قوتها، غير أنه أصبح في الوقت ذاته مصدر ضغوط كبيرة عليها إقليمياً ودولياً ورغم ذلك، لا تزال السلطنة متمسكة بخطها الاستراتيجي الذي بدأته منذ نشأتها الحديثة.
إن الحفاظ على الهدوء الدبلوماسي هو الاستراتيجية التقليدية لعُمان، وهو نهج لا يعني الضعف بقدر ما يعكس عمقاً استراتيجياً. لا تحتاج السلطنة إلى ردود عاطفية أو تصريحات نارية يكفي بيان رسمي هادئ يؤكد احترام حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز وفقاً للقانون الدولي، ويرفض أي سيطرة أحادية الجانب، مع التشديد على دورها كوسيط موثوق.
يجب أن يتم التواصل المباشر مع واشنطن عبر القنوات الدبلوماسية والأدوات السياسية المتاحة التي تتقنها السلطنة جيداً، مع الاعتماد على القوة الناعمة التي شكلت دائماً أحد أهم أركان سياستها.
كما ينبغي تعزيز التنسيق الوثيق مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة الضغوط الأمريكية بشكل موحد، إلى جانب تعميق العلاقات مع الصين وروسيا والهند وأوروبا وخصوصاً بريطانيا التي تربطها بعُمان علاقات تاريخية عميقة. ومن المهم استغلال الموقع الجيواستراتيجي للسلطنة لتقديم نفسها كـ”ضامن استقرار” للمضيق، لا كطرف في الصراع.
وفي الجانب الاقتصادي، يتعين تنويع الشراكات بعيداً عن أي اعتماد مفرط على الولايات المتحدة. أما أي تنسيق مع طهران فيجب أن يكون شفافاً ومحدوداً، حتى لا يعطي ذريعة لترامب، خاصة أن عُمان وسيط وليست حليفاً عسكرياً لإيران.
أما على المستوى الشعبي، فإن الواجب الوطني يقتضي الوقوف خلف القيادة الحكيمة للسلطان هيثم بن طارق، وتجنب الانجرار إلى خطابات قومية متطرفة أو معاداة هستيرية لأمريكا. الشعب العُماني معروف بحكمته وصبره. ومن الضروري أن يقدم الإعلام المحلي والمواطنون عبر وسائل التواصل دعماً إيجابياً يؤكد على سيادة عُمان وحقها في سياسة خارجية مستقلة، دون النزول إلى مستوى الشتائم أو الخطاب الانفعالي.
يجب أن يدرك الجميع أن التهديدات الأمريكية غالباً ما تكون أداة ضغط وابتزاز للحصول على تنازلات، وليست بالضرورة مقدمة لحرب.
عُمان قوتها في الدبلوماسية الهادئة والتوازن. والمطلوب اليوم صبر استراتيجي وتنويع الشراكات والتمسك بمبادئ السيادة والحياد الإيجابي. يعلّم التاريخ أن الدول الصغيرة الحكيمة تنجو من العواصف الكبرى بالصبر والذكاء، لا بالاندفاع.
ترامب يتحدث بلغة القوة، وعُمان تاريخياً تفضّل لغة الحكمة والعقلانية. هذا التناقض هو ما يجب أن تديره مسقط بحنكة في الأزمة الحالية.
حفظ الله عمان ارض وشعب وقائد والأمة العربية والإسلامية والانسانية كافة من كل شر .


