مختصون: الحوار البنّاء يعزز وعي الشباب ويحوّل الاختلاف إلى مساحة للتفاهم

نشرت :

مسقط : العمانية

لم يعد الحوار مجرد وسيلة لتبادل الحديث، بل أصبح ركيزة أساسية لترسيخ قيم الاحترام والتسامح، ووسيلة فاعلة لإدارة الاختلاف وتحويله إلى مساحة للتقارب وتبادل الخبرات، خاصة بين فئة الشباب التي تمثل المحرك الأبرز للتحولات المجتمعية والثقافية.

وفي المجتمع العُماني الذي عُرف عبر تاريخه بالاعتدال ورصانة الخطاب، تتجلى أهمية الحوار في الحفاظ على التماسك الاجتماعي وتعزيز التواصل بين الأجيال، سواء داخل الأسرة أو المجالس أو عبر الفضاءات الرقمية الحديثة.

وفي هذا السياق، يرى مختصون وباحثون أن الحوار البنّاء يسهم في تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الشباب، ويعزز قدرتهم على التعبير الواعي عن آرائهم، كما يرسخ لديهم قيم الإنصات، واحترام التنوع الفكري، والتعامل المتزن مع الاختلاف.

وأكدوا في حديثٍ لوكالة الأنباء العمانية أن بناء ثقافة الحوار لا يرتبط فقط بإتقان مهارات التواصل، بل يقوم على منظومة متكاملة من القيم الأخلاقية والوعي الاجتماعي، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والمجتمعية، بما يسهم في إعداد جيل أكثر قدرة على التفاهم، وأكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه مجتمعه وقضاياه المعاصرة.

وقالت الدكتورة صابرة بنت سيف الحراصي باحثة بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إن الحوار ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل قيمة إنسانية أصيلة تقوم على الاعتراف بالآخر، واحترام وجوده، والإيمان بحقه في أن يسمع ويفهم، وهو من القيم التي لا تقاس بكثرة الكلام بل بجودة الإصغاء، وقدرة الإنسان على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة، وقد جاء التأصيل لهذا المعنى في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، في توجيه واضح إلى أن الحوار ليس مجرد طرح، بل هو منهج قائم على الحكمة، وحسن الخطاب، ورفق الأسلوب.

وأضافت أنه في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية، تتعاظم الحاجة إلى ترسيخ هذه القيمة في كونها ضرورة حضارية، فالحوار في التصور الإسلامي ليس ترفًا أخلاقيًّا بل هو منهج أصيل، وركيزة من ركائز البلاغ والدعوة، ووسيلة للإقناع وبناء التفاهم، وضابط للتعايش مع المخالفين.

مشيرة إلى أن أهمية الحوار تكمن في كونه الجسر الذي تعبر من خلاله الأفكار، وتتقارب به الرؤى، وتُبنى عليه مساحات التفاهم المشترك، فالمجتمعات التي تحسن إدارة الحوار، هي مجتمعات أكثر استقرارًا، وأقدر على تجاوز الخلافات، وأقرب إلى إنتاج حلول متوازنة، ولهذا جاء القرآن زاخرًا بنماذج حوارية عميقة، ومن ذلك حوار إبراهيم عليه السلام مع من ادعى الربوبية، حين قال: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}، فكان حوارًا قائمًا على الحجة الواضحة، والطرح الهادئ، دون انفعال أو خصومة، ما يعكس أن غاية الحوار إظهار الحق بأسلوب راقٍ.

وأردفت: أن الحوار يعكس بشكل واضح مستوى الوعي والثقافة التي يملكها الشاب؛ فكلما اتسعت معرفته وتعمق إدراكه، أصبح أكثر هدوءًا في الطرح، وأدق في التعبير، وأقدر على التفريق بين الفكرة وصاحبها، بينما يكشف ضعف الحوار من انفعال أو إقصاء أو تعالٍ عن ضيق في الأفق، أو قصور في الوعي، وقد جسد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام هذا المعنى في سيرته، حين كان ينصت، ويحاور، ويقيم الحجة دون أن يقاطع أو يرفع صوته، مما يعكس أن قوة الطرح لا تكون في حدته، بل في اتزانه ووضوحه. ولعل ما يعرف عن الإنسان العُماني من لُطف ولين في التعامل، وهدوء في الطرح، عكس ما استقر في السمت العُماني من رُقي في الخطاب، واتزان في التعامل مع الاختلاف حتى غدا هذا الأسلوب سمة عامة، لا يخرج عنها إلا القليل، وهو ما يلتقي مع ما ورد في الأثر: (لو أنَّ أهلَ عُمانَ أتَيتَ ما سَبُّوكَ ولا ضَرَبوكَ) في دلالة على أن الرفق في الخطاب يعزز القبول، ويقوي أثر الكلمة.

وأوضحت أن الحوار الحقيقي لا يُقاس بقدرة الشاب على الانتصار لرأيه، بل بقدرته على فهم غيره، وإدارة الاختلاف بوعي، والخروج من النقاش وقد أضاف شيئًا لنفسه وللآخرين. فالحوار ليس تنازلاً بل تعبير عن وعي واتزان، واتساع في الرؤية، ونضج في التعامل مع تعددية الأفكار.

وقالت: إن الحوار يرتكز على ثقافة الإنصات الجيد؛ لأنه العامل الأهم في تحويل الحوار من مجرد تبادل آراء إلى مساحة للفهم الحقيقي، فالإنصات يمنح الطرف الآخر شعورًا بالتقدير، ويخفف من حدة التوتر، ويقلل من سوء الفهم الذي ينشأ غالبًا من التسرع في الرد لا من اختلاف الرأي نفسه.

موضحة أن أهمية الإنصات تتجلى بشكل أوضح في بيئة التواصل الرقمي، حيث يغيب البعد الإنساني المباشر؛ فنحن لا نستمع بقدر ما نقرأ، ولا نتفاعل مع شخص بقدر ما نتفاعل مع نص، وهذا يجعل الفهم أكثر عرضة للاجتزاء أو التأويل غير الدقيق، خاصة في غياب نبرة الصوت وتعابير الوجه التي تساعد عادة على استيعاب المقصود، لذلك نجد أن كثيرًا من الردود لا تنطلق من فهم كامل، بل من قراءة سريعة أو تفسير شخصي للنص.

لافتة إلى أن تحسين الإنصات يبدأ بضبط النية، بحيث يكون الهدف من الحوار الفهم لا الانتصار، ثم بالتريث قبل التعليق، وقراءة الفكرة في سياقها الكامل، وعدم إسقاط النوايا، والتركيز على المعنى لا على الانفعال، فالإنصات في زمن التواصل السريع لم يعد مجرد مهارة، بل ضرورة لأنه الفارق بين حوار يحقق الفهم، وتفاعل يُنتج مزيدًا من سوء التأويل.

وتابعت حديثها: إن الحوار البنّاء يرتكز على منظومة أخلاقية متكاملة لا تُعنى فقط بطريقة الكلام، بل تضبط دوافعه، وتوجه مساره، وتحدد مآلاته، فالحوار في جوهره سلوك يعكس تربية الإنسان ونضجه النفسي ووعيه بقيمة الآخر، وأول ما يقوم عليه هذا النوع من الحوار هو الاحترام؛ إذ لا يمكن أن ينشأ حوار حقيقي في بيئة يُنتقص فيها من الآخر أو يُسخر منه، فالاحترام لا يعني الموافقة، بل الاعتراف بحق الطرف الآخر في أن يُفهم ويُقدر.

وذكرت أن ذلك يتكامل مع إدراك الشباب أن فهمه ليس مطلقًا، وأن الحقيقة أوسع من رأيه، وهذا البعد النفسي مهم لأنه يخفف من التصلب في المواقف، ويجعل الشاب أكثر استعدادًا للاستماع والتعلم. مؤكدة على أنه لا يكتمل الحوار دون الصدق إذ لا قيمة لنقاش يُبنى على تحريف أو مبالغة أو انتقائية في عرض الأفكار، فالصدق يضمن نقاء الطرح، ويُنشئ الثقة بين الأطراف، وهي شرط أساسي لأي تواصل فعّال.

وأضافت أن من القيم التي تضبط مسار الحوار لدى الشباب، هي معرفة اختيار الوقت والأسلوب المناسبين، وأن يُخاطب الإنسان كل طرف بما يناسب مستواه وفهمه، وأن يختار الأسلوب الأقرب إلى قبوله؛ لأن الخطاب إذا لم يُبنَ على إدراك حال المتلقي، فقد يفقد أثره مهما كان صحيحًا، وتتأكد هذه القيمة اليوم في ظل تنوع أساليب توصيل الفكرة وصناعة المحتوى؛ فلم يعد الحوار محصورًا في اللقاء المباشر، بل أصبح يمتد إلى منصات متعددة، تتفاوت في طبيعتها وسرعة التفاعل فيها.

وأكدت أن ضبط النفس يمثل ركيزة أساسية في الحوار البناء، خاصة في لحظات الاختلاف، فليس التحدي في أن تتحدث، بل في أن تحافظ على اتزانك حين تختلف، وهذه القدرة ترتبط بما يعرف نفسيًّا بالذكاء العاطفي، حيث يستطيع من خلالها الشاب أن يدير انفعاله دون أن ينعكس سلبًا على الحوار، موضحة أن القيم المجتمعة لا تجعل الحوار أكثر تهذيبًا فحسب، بل أكثر عمقًا وفاعلية، لأنها تنقل الإنسان من مجرد التعبير عن رأيه، إلى بناء فهم مشترك يقوم على الوعي، والإنصاف، والمسؤولية.

من جانبه، أوضح عصام بن محمود الرئيسي مدرب بروتوكول ومؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات، عن كون الحوار جسرًا للتواصل بين جيل الشباب وكبار السن ودوره المهم في نقل الخبرات والقيم بينهم، قائلًا: إن العلاقة بين الأجيال لم تعد تلقائية كما في الماضي، بل أصبحت بحاجة إلى ممارسات مقصودة ومدروسة، وقائمة على قناعة مشتركة ومنبثقة من قيم المجتمع، موضحًا أن الروابط بين الأجيال تمثل عنصرًا أساسيًّا في فهم بنية المجتمع لما تتضمنه من تفاعلات يومية ودعم متبادل في نقل القيم والخبرات داخل الأسرة والمجتمع بشكل عام.

وأضاف أنه من أهم أهداف الحوار بين الأجيال هو بناء ثقافة تقبل الاختلاف، وذلك عبر ترسيخ مبدأ أن الاختلاف طبيعي وليس تهديدًا وهو أمر صحي معرفي يقودنا إلى فهم بعضنا البعض، وكذلك تدريب الشباب على التفكير النقدي وكيفية التعامل الأمثل مع كبار السن وترسيخ فكرة أن كبار السن هم المرجع الأهم في حياتنا في كل جوانبها، إلى جانب تقديم نماذج حوار إيجابي داخل الأسرة عن طريق ما يسمى بالقدوة في نقل السلوك التعاملي مع من حولنا. وبالإمكان القول إن ثقافة التسامح والتوقير بين الأجيال لا بد أن تربط بالبيئة الثقافية، وذلك بما يسهم في تقليل الاختلاف أثناء التواصل.

وأوضح أن الأسرة والمجالس العمانية، سواء الرسمية أو العائلية، تؤدي دورًا جوهريًّا في ترسيخ ثقافة الحوار وتعزيز احترام الاختلاف في الرأي لدى الشباب، إذ تمثل هذه البيئات الحاضنة الأولى التي يتشكّل فيها وعي الفرد واتجاهاته، ويهيئ الشاب لاكتساب مهارات الاستماع وتقبل وجهات النظر المختلفة قبل انخراطه في المجتمع الأوسع.

وأشار إلى أن المجالس العائلية تسهم في إتاحة مساحة للتواصل المباشر بين الأجيال، حيث تُنقل الخبرات والتجارب والقيم بشكل طبيعي وغير متكلّف، مما يعزز الفهم المتبادل ويقوي الروابط الاجتماعية، كما تتيح هذه المجالس تبادل الآراء والقصص التي تحمل دروسًا حياتية، وتُسهم في ترسيخ منظومة القيم التي يحملها كبار السن، بما يحافظ على أصالتها ويمنحها بُعدًا عمليًّا في حياة الشباب.

وبيّن أن انتظام الحوار الأسري يُعد عنصرًا حاسمًا في تعزيز التماسك الاجتماعي ونشر ثقافة الاختلاف الإيجابي، إذ إن قلة اللقاءات بين أفراد الأسرة تؤدي إلى ضعف التواصل وفتور العلاقات، في حين يسهم التفاعل المستمر في بناء بيئة قائمة على التسامح والتفاهم، لافتًا إلى أن نمط العيش السائد في المجتمع العُماني، بأن كبار السن يعيشون غالبًا بالقرب من أبنائهم أو معهم، وهذا الأمر يعزز من حضور العلاقات بين الأجيال ويجعلها أكثر استقرارًا وانسجامًا، وينعكس إيجابًا على جودة الحياة لدى الجميع.

وأكد أن تعزيز ثقافة الحوار يمكن أن يتم عمليًّا على مستويين: اجتماعي ومؤسسي، فعلى المستوى الاجتماعي يُسهم تخصيص أوقات منتظمة للحوار داخل الأسرة في ترسيخ قيم الاحترام، مع اختيار موضوعات هادفة تفتح آفاق النقاش دون إثارة التوتر، إلى جانب إشراك كبار السن في الأنشطة الاجتماعية وتوثيق قصصهم وتجاربهم بما يعزز حضورهم ويمنح الأجيال الشابة فرصة للاستفادة من خبراتهم.

وأضاف أن على المستوى المؤسسي تبرز أهمية تبني مبادرات تعزز التفاعل بين الأجيال داخل بيئة العمل، مثل تطبيق برامج الإرشاد العكسي التي تتيح تبادل المعرفة بين الشباب وأصحاب الخبرة، وتشكيل فرق عمل متعددة الأعمار، إلى جانب تنظيم جلسات حوارية منتظمة تسهم في تقليل الفجوة بين وجهات النظر المختلفة، خاصة في القضايا الإدارية والفنية.

واختتم بالتأكيد على أن التفاعل البنّاء بين الأجيال لا يسهم فقط في تحسين تدفق المعرفة، بل يعزز أيضًا من بيئة عمل صحية ويحد من العزلة الاجتماعية، بما يدعم بناء مجتمع متوازن قادر على استيعاب التنوع الفكري وتوظيفه بشكل إيجابي.

وقالت نبيلة بنت فاروق البروانية مدربة مهارات التواصل والتحدث أمام الجمهور: يمكن ترجمة مهارات التواصل من الجانب النظري إلى ممارسات يومية لدى الشباب من خلال تحويلها إلى سلوكيات بسيطة ومتكررة في حياتهم اليومية، مثل الإصغاء دون مقاطعة وطرح أسئلة مفتوحة وإعادة صياغة ما يسمعونه للتأكد من الفهم؛ لأن المهارة لا تبنى بالمعرفة فقط، بل بالممارسة الواعية والمتكررة.

وأشارت إلى أنه من خلال عملها في تدريب الأفراد على مهارات التواصل، لاحظتْ أن من أهم التحديات التي تواجه فئة الشباب في سياق الحوار، تتمثل في القدرة على إدارة المشاعر، خاصة عند وجود اختلاف في الآراء، موضحة أنه من المهم تدريبهم على الفصل بين الفكرة وصاحبها، وتقبّل وجهات النظر المختلفة دون الشعور بالتهديد أو الحاجة إلى إثبات الرأي بما يُوجد بيئة حوار قائمة على الاحترام المتبادل.

وأضافت: فيما يتعلق بتمكينهم من إدارة حوارات بنّاءة، أرى أن من أكثر الأساليب فاعلية هو تعزيز الهدف من الحوار، أي الدخول في النقاش بهدف الفهم وليس الفوز، عندما يتحول الهدف من الإقناع إلى الاستيعاب، تنعكس هذه النية على أسلوب الحوار ونبرته بشكل واضح، لذلك من المهم أن تتوفر مساحة آمنة للحوار، سواء في المدارس أو الجامعات أو داخل الأسرة؛ لأن الشباب اليوم بحاجة إلى بيئة تشجعهم على التعبير بحرية دون خوف من الحكم أو الانتقاد.

وبيّنت أن من الأساليب العملية التي يمكن تعزيزها لدى الشباب في هذا الجانب، استخدام عبارات "أنا" بدلًا من "أنت" لتجنب أسلوب الاتهام، والتحكم في نبرة الصوت ولغة الجسد، إضافة إلى التوقف المؤقت عند تصاعد التوتر بدلًا من الاستمرار في الجدال للحفاظ على مسار حوار هادئ وبنّاء. مشيرة إلى أنه لا يمكن إغفال دور القدوة، فعندما يرى الشباب نماذج حقيقية تمارس الحوار باحترام ووعي، سواء من الأهل أو المعلمين أو القادة، فإنهم يكتسبون هذه المهارات بشكل طبيعي، وعليه فإن بناء جيل قادر على إدارة الحوار بوعي لا يعتمد فقط على التعليم النظري، بل على إيجاد ثقافة يومية تمارس فيها مهارات التواصل بوعي واحترام.

من جانبه، قال سلطان بن ثاني الحسني، باحث اجتماعي: إن في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها بنية المجتمع المعاصر، لم يعد الحوار مجرد ترف فكري أو تبادل للأحاديث العابرة بل تحول إلى مختبر اجتماعي تصهر فيه الهويات وتعاد فيه صياغة وعي جيل بأكمله، فنحن اليوم أمام جيل لا يكتفي بالمشاهدة فحسب، بل يصنع الحدث عبر خطاب عابر للحدود وقدرة فائقة على التأثير، مما يجعل من احتواء هذا الخطاب ضرورة ملحة لمنع تشكل بيئة هشة ومضطربة بين الشباب، حيث يمثل الحوار البناء الرحم التربوي الذي يولد منه الخطاب الواعي والممارسة الرصينة التي تنقل الشاب من مربع الانفعال العاطفي إلى مربع العقلنة المنطقية.

وأشار إلى أن هذه العملية الحوارية تمثل نحتاً حقيقياً لنمط التفكير، إذ يكتسب الشباب المنخرطون في مساحات حوارية منظمة قدرة عالية على تفكيك القضايا المجتمعية المعقدة وتبسيطها دون تسطيح، مستبدلين لغة الشعارات بلغة الأرقام والحجج المنطقية، ومحولين النقد الهدام إلى نقد بنيوي يطرح الحلول البديلة، وهو ما يرفع بدوره من معدلات الكفاءة الذاتية لديهم وفق ما تشير إليه الدراسات التربوية، فبمجرد أن يمتلك الشاب القدرة على التعبير عن رأيه بوضوح ويجد صدى لأفكاره يحدث تحول جذري في بنيته النفسية، فتتحول الثقة المكتسبة من مجرد اعتزاز بالذات إلى طاقة اجتماعية تدفعه لإحداث تأثير مستدام في محيطه الثقافي والاجتماعي.

وأضاف أنه مع التحول في الأدوات من سبلة الطين إلى السبلة الرقمية، انتقلت ثقافة الحوار من الأنماط التقليدية الخاضعة للسلطة الهرمية إلى فضاءات رقمية تفاعلية تتسم بالمرونة والأفقية، حيث نجحت وسائط التواصل في كسر احتكار الحقيقة وتجاوز الحواجز التقليدية، فأصبح الاحترام في العالم الرقمي يُمنح لقوة الفكرة لا لعمر صاحبها، مما أعطى الشباب منصة غير مسبوقة سمحت لهم بالانفتاح على التجارب العالمية وترسيخ قيم التسامح والقبول الواعي للآخر، لتصبح الأدوات الرقمية اليوم وسيلةً فاعلةً لترسيخ قيم المواطنة الرقمية، وتنمية مهارات التفكير النقدي الجماعي، وصقل الأفكار من خلال النقاشات التفاعلية الآنية التي تسهم في تشكيل وعي جمعي أكثر نضجًا، ومن ثمّ، فإن تمكين الشباب من أدوات الحوار والتعبير لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان إعداد جيل مستنير يمتلك القدرة على مواجهة تحديات المستقبل بفكر واثق ولسان فصيح.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img