رأي اليوم
صحيفة اليوم العُمانية
رئيس التحرير
المبادرة الوطنية للفريق الحكومي الواحد هي مبادرة استراتيجية وطنية أطلقتها الأكاديمية السلطانية للإدارة بمباركة سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه. وتُعد هذه المبادرة الأولى من نوعها في المنطقة، إذ تركز على تطوير الذهنية لإحداث الأثر في العمل الحكومي، بدلاً من الاقتصار على الإجراءات أو الهياكل التنظيمية.
تهدف المبادرة إلى تحويل الجهاز الإداري للدولة إلى منظومة واحدة متكاملة تعمل بروح «الفريق الواحد»، حيث يرى كل موظف نفسه جزءاً من فريق وطني واحد يخدم المجتمع والوطن، وليس مجرد أداء مهام روتينية ضمن جهة محددة.
خطوة ذكية في الوقت المناسب
تُمثل هذه المبادرة خطوة مباركة ومدروسة، خاصة مع تركيزها على بناء الذهنية قبل تغيير الهيكل. ويعتمد نجاحها على عدة عوامل أساسية: الاستمرارية، وقياس الأثر الحقيقي (وليس مجرد تنظيم ورش عمل)، والمشاركة الواسعة التي تشمل جميع المستويات الوظيفية والمحافظات.
فإذا نجحت في تغيير الثقافة الوظيفية من «أنا في جهازي» إلى «نحن فريق واحد لعمان»، فستكون إضافة نوعية حقيقية لجهود الإصلاح الإداري في السلطنة.
كمواطنين، يتعين علينا دعم المبادرة بالاقتراحات البناءة والتفاعل الإيجابي، فـ«الفريق الواحد» ليس شعاراً عابراً، بل مسؤولية مشتركة تبني مستقبلاً أفضل للسلطنة. والنجاح ممكن إذا تحولت الأفكار إلى ممارسات يومية ملموسة.
دروس من النموذج السنغافوري
ليس مفهوم «الحكومة الشاملة» جديداً على المستوى العالمي، لكنه يُعد جديداً نسبياً في منطقتنا. وتُعد تجربة سنغافورة من أبرز النماذج العالمية الناجحة في تحويل الجهاز الحكومي إلى منظومة متكاملة تعمل بروح الفريق الواحد، وغالباً ما يُستشهد بها في مبادرات مثل «الفريق الواحد» العمانية.
تعني الحكومة الشاملة التعاون الفعال عبر الوزارات والوكالات الحكومية لتحقيق أهداف مشتركة، وتقديم خدمات متكاملة تركز على احتياجات المواطن. بدأت الفكرة في التسعينيات، وتطورت إلى ثقافة مؤسسية مدعومة بقيادة عليا من مكتب رئيس الوزراء.
تعتمد التجربة السنغافورية على الشفافية والمساءلة، وتشجيع الموظفين على الشعور بالمسؤولية الوطنية، مما ينعكس في تقديم خدمات عالية الجودة وبسرعة فائقة. كما تعزز المشاركة المجتمعية، حيث يصبح الموظف الحكومي شريكاً في التنمية، يستمع إلى احتياجات المواطنين ويبتكر حلولاً فعالة. وتسعى إلى خلق ثقافة إيجابية تقلل البيروقراطية، وتعزز الابتكار والفخر بالعمل العام.
طموحنا كمواطنين نطمح أن تتحول هذه المبادرة إلى واقع ملموس يدعم اللامركزية الإدارية ويحقق أولويات رؤية عمان 2040، خاصة في مجالات التنمية المستدامة والاقتصاد المتنوع. وذلك من خلال تقديم خدمات أسرع وأعلى جودة، وتقليل الوقت والجهد المهدرين، وتعزيز الثقة في الجهاز الحكومي، وتمكين الكفاءات الوطنية في بيئة عمل محفزة ومتعاونة.
على المستوى الوطني، من المتوقع أن تنعكس المبادرة إيجاباً على السلطنة اقتصادياً وتنموياً من خلال رفع الكفاءة الحكومية، دعم تحقيق رؤية 2040، جذب الاستثمارات، وتعزيز الإنتاجية. أما اجتماعياً، فستعزز الوحدة الوطنية والانتماء، وتقرب الحكومة أكثر من المواطن.
ومؤسسياً، تمثل تحولاً ثقافياً نحو «الحكومة الشاملة»، على غرار النماذج الناجحة في سنغافورة ونيوزيلندا وبريطانيا، مما يقلل الهدر ويسرع الإنجاز. ومستقبلاً، ستمكن السلطنة من بناء جهاز إداري مرن ومبتكر قادر على مواجهة التحديات العالمية، مع الحفاظ على الهوية والقيم العمانية الأصيلة.
تؤكد التجربة السنغافورية أن الحكومة الشاملة ليست مجرد شعار، بل استراتيجية تحولية تجعل الجهاز الحكومي أكثر كفاءة واستجابة، مما يدعم التنمية الشاملة والاستقرار الوطني. ويمكن للسلطنة الاستفادة من هذه التجربة مع مراعاة خصوصية السياق العماني وقيمه الوطنية.
ختاماً، المبادرة الوطنية للفريق الواحد تمثل فرصة تاريخية لبناء جهاز حكومي متماسك وفعال. نجاحها يبدأ من كل واحد منا.


