عند الأزمات… ما لها غير أبناء الوطن

نشرت :

عبدالعزيز مسعود السعدون


صلالة: 16/06/2026

في كل صباح، وأنا في طريقي إلى عملي، يتكرر أمامي مشهد يومي يدعوني إلى التأمل. لا أعلم إن كان يؤلمني أنا وحدي أم أن هناك الكثيرين مثلي.

مجموعة كبيرة من المركبات تمر أمامي كل صباح عبر الطرقات، تحمل شعارات لشركات ومؤسسات وهيئات وطنية تنتمي إلى هذا الوطن، ويقودها أشخاص جاءوا من مختلف أنحاء العالم بحثًا عن فرص عمل ورزق كريم. وفي المقابل، أرى المواطن الذي يحمل في قلبه حب هذا الوطن، وهويته المحفورة في داخله قبل أن يحملها في بطاقته الشخصية، يجاهد بحثًا عن فرص تليق بطموحاته وقدراته.

هذا المشهد اليومي لا يدعوني إلى المقارنة أو التفرقة، بل يدعوني إلى التساؤل: كيف يمكن للوطن أن يحقق التوازن بين الاستفادة من الخبرات المختلفة وبين تمكين أبنائه من المشاركة الفاعلة في بناء مستقبلهم؟

وقد تعلمنا مؤخرًا، من خلال التجارب التي مرت بنا، أن الأوطان في أوقات الرخاء تستوعب الجميع، وهذا أمر طبيعي ومطلوب. ولكن عند الأزمات والظروف الاستثنائية تظهر حقيقة لا يختلف عليها اثنان؛ وهي أن ابن الوطن لا يمكن أن يغادر وطنه أو يساوم عليه، وأنه أول من يتحمل المسؤولية، وهو من يبقى عندما تتوقف المصالح، وهو من يحمل همّ الأرض والوطن والناس والمستقبل، لأنه مرتبط بوطنه ارتباط الانتماء، لا ارتباط العقد الوظيفي.

وليس في هذا انتقاص من أحد؛ فالجميع، من المقيمين والقاطنين، ساهموا ويساهمون في التنمية والعمران، فهم شركاء في مسيرة البناء، ولهم كل الاحترام والتقدير.

ولكن الواقع يقول إن علاقة المواطن بوطنه تختلف بطبيعتها عن كل العلاقات؛ فهي علاقة مصير وهوية وتاريخ ومستقبل.

ومن هنا تبرز قضية الباحثين عن عمل باعتبارها قضية وطنية قبل أن تكون قضية اقتصادية.

فالشاب الذي ينتظر فرصة ليس مجرد رقم في إحصائية، أو مجرد عدد يكمل المشهد، بل هو طاقة بشرية واستثمار وطني يجب أن يجد طريقه إلى المشاركة والإنتاج.

لذلك، فإن تمكين المواطنين من العمل ليس مطلبًا فحسب، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار والتنمية المستدامة.

وقوة الأوطان لا تُقاس بحجم المشاريع والمنشآت، بل بقدرتها على منح أبنائها الأمل والثقة والفرصة. فكل وظيفة تُمنح للمواطن القادر والمؤهل هي استثمار في الأسرة والمجتمع والوطن.

ويبقى الرهان الحقيقي على بناء مستقبل يتسع للجميع، مع إعطاء المواطن المكانة التي يستحقها في سوق العمل، ليس من باب الأفضلية المطلقة، وإنما من باب المسؤولية الوطنية التي تقتضي أن يكون ابن الوطن شريكًا أساسيًا في صناعة حاضر بلاده ومستقبلها.

فالأوطان تستقبل الكثيرين،
لكنها لا تجد عند الشدائد إلا أبناءها.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

spot_img

أحدث المقالات

spot_img